الاثنين، 9 مارس 2009

شاهدوا كرامة الشهيد محمود العابد



الشهيد محمود العابد

منفذ عملية دوغيت قبل 6 سنوات


بقيت جثته الطاهرة الموشحة براية التوحيد ووجهه المعصب بالعصبة الخضراء كما هي ..


فحينما استشهد اخيه خالد في الحرب الأخيرة على غزة، طلب أهله دفنه بجوار أخيه، فكانت المفاجأة التي ستشاهدوها من خلال الفيديو أثناء دفن خالد بجوار أخيه محمود .......... 1
الفيديو
على اليوتيوب
اللهم ارزقنا الشهادة الصادقة في سبيلك

الأحد، 8 مارس 2009

أمهات شهداء غزة.."صبر يحمل ألم الذكريات"





أمهات ودعنَّ فلذات أكبادهنّ أبدًا- رغم أنهم ما زالوا في عمر الزهور- وحَلُمن باللقاء بهم عما قريب في جنة خالدة، حيث اللقاء بلا وداع ولا فراق يؤلم قلوبهنّ مجددًا..
ذلك مشهد أمهات شهداء الحرب الأخيرة على غزة، بعضهنّ فقدن فلذات الأكباد تحت ردم وأنقاض البيت المدمر، وأخريات فقدنهنّ بينما كانوا في طريقهم إليها بعد مشوارٍ قصير في ساعات الهدنة الثلاثة، وثالثاث شهدن بأم أعينهن لحظة الرحيل، فما استطاعت أن تصدق الوداع، وغابت بوعيها عن الدنيا قليلاً، ورابعات وخامسات وعاشرات وقفن لحظة الوداع يلوحن بأيدهن مودعات محتسبات..تغرق عيونهن بدموع يخفينها في تجاويف الجفون، ومن ثمَّ ترحل بخطى وئيدة موحشة، وعلى ألسنتهن تتدحرج كلمات الافتقاد حزينة آملة بلقاء بعد البكاء..
موقع "القدس أون لاين" قام بعرض قصص أمهات ودعن في لحظة واحدة أكثر من ابن شهيد، وأخريات ودعن إضافة لفلذات الأكباد الزوج والسند والمعيل، وبقيت وحيدة تبكي ألم الفراق بين ركام البيوت وأطلال الذكريات، تابع معنا..
إن ودعك ابنك مسافرًا طلبًا للعلم أو العمل يعتصر قلبك ألمًا لفراقه الذي قد لا يدوم طويلاً، فكيف إذا ودعك أبدًا بعد الممات فلا ترينه إلا خيالاً في شريط الذكريات؟! أي قلب يحتمل ذلك الفراق..
نعمة محمد منصور بربخ، أم بلغت من العمر 44 عامًا، ذاقت لوعة فراق الأحباب ليس سفرًا بل رحيلاً، في الرابع من يناير عام 2009 فقدت فلذات أكبادها مهدي 26 عامًا، ومحمد 17عامًا، ويوسف ابن الخمسة عشر ربيعًا، وزوجها عبد، في لحظة شهادة واحدة بصاروخ من طائرة استطلاع بينما كانوا في حديقة منزلهم يقطعون جذوع الحطب، جزعت الأم لحادثة الفقد والرحيل الطويل، تمزق قلبها وجعًا، وذرفت دموعها ألمًا، لكنها ما لبثت أن ربطت على جرحها النازف بالصبر الجميل..
تقول: "ليس أصعب على الأم من فراق فلذات أكبادها، لكن الله يصبر النفوس". وتتابع: غادروني أجسادًا فقط، بينما ذكراهم تملأ فكري ووجداني، في كل مكان في البيت لهم ذكرى، وتبدأ بتعديد ذكرياته: "هنا كان ينام يوسف تلك حقيبته، وهذه ملابسه اشتريتها له قبل استشهاده بقليل، وفي تلك الزاوية أذكر حديث مهدي وإلحاحي عليه بالزواج وتكوين أسرة، وإنجاب أحفاد أدللهم وأحنو عليهم، وهناك كان محمد يساعدني في إشعال النار حتى لا يتألم صدري وتضيق أنفاسي، وعند باب الغرفة وقف زوجي يودعني قبل الذهاب للعمل، أذكر ابتسامته بعد أن دعوت له". تصمت تبكي، ففي الدمع سلوى لأشواق قلبها وحنينها لضم أبنائها، ما زاد من لوعة الأم أنها لم تتمكن من أن تطبع قبلة الوداع الأخيرة على وجوه أبنائها وزوجها، فقد حولهم الصاروخ إلى أشلاء، كما لم يتثنى لها أن تراهم، فمن ثلاجة الموتى إلى القبور سارت جثامينهم.



وداع من نوع آخر



أم الشهيدين إبراهيم ومحمد أكرم أبو دقة كان وداعها لفلذات أكبادها من نوع آخر، لوحت بيدها تجاه الجثامين المرفوعة على أكف الأهل تبسم وجهها للراحلين، وتلفظ قلبها قبل لسانها بالدعاء بالتقبل عند الله شهداء، والفوز بالجنان مع الصالحين الأبرار، واللقاء في غد لا وقت فيه للفراق والوداع.
تقول الأم: "ليس لي إلا الصبر وسيلة أستعين بها على الشرخ العميق بقلبي لفراق طفليّ إبراهيم ومحمد، طالما تمنيا الشهادة، وأكرمهما الله بأن يفتت صاروخ أرض– أرض جسديهما في نهار من نهارات الاجتياح البري على قطاع غزة مؤخرًا"، تخفي الأم الألم النابض بقلبها بذكريات تستحضرها كلما ذاب قلبها شوقًا وحنينًا لإبراهيم ومحمد، تلك الذكريات تبدل دموعها بابتسامات لا يبددها إلى الرجوع إلى واقع لا وجود فيه لجسدي الحبيبين يلتصقان بجسدها في ليالي السمر، لكنها تعود للأمل مجددًا بأن تكون لقيا الأحبة قريبة.
لقد فقدت الأم اثنين من أبنائها في لحظة واحدة في ساعات الهدنة الثلاثة، بينما كانوا عائدين بعد ظهر الثامن من يناير الماضي من بستان زراعي بالقرب من نادي عبسان الكبيرة الرياضي، خرجا ليجمعا بعض الأعشاب للحيوانات أحدهم استقل دراجة، والآخر عربة حديدية، لكنهما لم يعودا إلا أشلاءً ممزقة، أجسادًا بلا رءوس ولا أيدي، ورغم حرقة الوداع الملون بالدم والأشلاء على قلب الأم، إلا أنها رفعت رأسها تعلي الصوت بالدعاء بالرحمة لمن قضوا بإذن الله شهداء.



أمام عينيها رحلوا فغابت عن الدنيا



صدقي، أحمد، ومحمد العبسي رحلوا على مرأى من عين أمهم، فما استطاعت احتمال المشهد غابت عن الدنيا بإرادتها في غيبوبة.
ترفض الأم أن تصدق رحيل أبناء عمرها في لحظة واحدة بعد أن قصفت قوات الاحتلال البيت على رءوسهم وهم نائمون ليلة التاسع والعشرين من ديسمبر العام الماضي، في أول أيام الحرب على القطاع، تقول الابنة الكبرى فداء: "أمي ما زالت في المستشفيات المصرية تتلقى علاجًا لندوب وجروح جسدها المصاب بالشظايا في مختلف أنحائه"، ووفقًا للأطباء فإن الوضع الصحي للأم مستقر، بينما وضعها النفسي مضطرب، فهي ترفض أن تستعيد وعيها أو تفتح عينيها فتفيق على واقع أليم لا وجود فيه لفلذات أكبادها الثلاثة.



صبرٌ جميل



قد يهون على النفس رحيل بعض من فلذات الأكباد، وبقاء البعض الآخر يعين على تحمل آلام الفراق لأجلهم، ليشبوا صامدين صابرين، لكن إذا ما رحل الجميع والأب، ولم يبق أحد، فمعادلة الصبر على عناء الفراق تبدو أكثر صعوبة.
أم محمود لم يبق لها من أبنائها الأربعة أحد يعينها على الذكرى، رحل الجميع بضربة صاروخ واحدة بين شهيد وجريح التحق أخيرًا بركب الشهادة، تقول السيدة وقد أغرقت دموع الفراق وجهها: "في أيام الحرب سقط صاروخ على بيتي في بيت لاهيا فاستشهد اثنان من أبنائي الأربعة على الفور وأبيهم، فيما أصيب الابنين الصغيرين". تأملت أن ينجو الصغيران. دعوت الله أن يعيدهما سالمين من مستشفيات القاهرة، لكنهما عادا على نقالة بلاستيكية لتودعهم قبل الذهاب بهم للمسجد ليصلى عليهم، ومن ثم يواريا التراب.
الألم بقلب الأم كان كبيرًا مريرًا، لكنها استعانت بالإيمان والصبر الجميل، فالله الرازق والمعطي، والله وحده من يملك أن يسترد أمانته في الأرض، بكت كأي أم انفطر قلبها على فراق الأحباب، لكنها أسلمت الأمر لمدبر الأمر، وانشغلت عن الحزن بالدعاء أن يكون الملتقى قريبًا بعد الممات في جنة لدى رب العباد.



تسلسل الرحيل



في السادس من يناير الماضي نفذت قوات الاحتلال خلال اجتياحها البري للقطاع جريمة بحق عائلة ديب في محيط مدرسة الفاخورة شمال قطاع غزة، وقتها فقدت زوجة سمير ديب الزوج شهيدًا، وأبنائها عصام ومحمد، وأصيبت فاطمة، ثم التحقت بركب الشهادة مع الأب والشقيقين.
رحيل الأبناء محمد وعصام والزوج سمير كان في نفس اليوم، لكنه ليس في ذات اللحظة. البداية كانت مع استشهاد عصام بالقرب من السور الغربي لمدرسة الفاخورة، وبعد دقائق لا تتعدى الثلاثين استشهد الابن محمد برفقة والده، وأصيبت فاطمة، فقد عادوا إلى البيت لتوهم ليبصروا الخراب الذي حل به بعد قصف الاحتلال بيت أبو عسكر المجاور، وأخيرًا كان استشهاد فاطمة في المستشفيات المصرية.
رغم افتقادها الأبناء والزوج، إلا أنها ظلت صابرة تدعو الله أن يرعي بحوله وقوته ما تبقى من أبنائها، تقول الأم: "الحمد لله الذي منحني الحياة لأودع أبنائي شهداء، وأمدني بالقوة والعزيمة والصبر على افتقادهم أجسادًا تحت الثرى، لا أرواحًا، فلا يغيبون عن فكري لحظة أذكر مواقفهم معي فأضحك ولا أبكي".
------------
موقع القدس أون لاين / هبة فتحي/غزة
-----------

الشهيد/ عمـاد عـقل - أسطورة الجهاد والمقاومة



أسطورة الجهاد والمقاومة " وحدك يا أمير الفدائيين تعلو .. ترحل إلى الشمس ، تمضي إلى قسمات الوجوه ، ترتسم على أسارير العائدين ، تجمع في كفك المباركة خيوط البطولة والحماس والشهادة ، تصنع نسيج الأمل العريض ، تفرشه في الشوارع ، في الحارات ، في الساحات وتحيك منه لكل فتى كوفية وعلماً وضمادة جرح " أن يترجل فارس من فلسطين في ساحة الشرف ليس بالحدث الجديد ، فلقد أصبح الاستشهاد على طريق الجهاد قدر الشعب الفلسطيني منذ أن اتخذ قراره بالدفاع عن دينه ووطنه وحريته وعندما يترجل الفارس المقدام عماد عقل قلب الساحة التي لا تحتضن إلا الأبطال نكون قد ازددنا اقتراباً من النصر والعزة ، فالطريق لا يعبد إلا بدماء الشهداء ولا يضاء إلا ببطولتهم التي لا يضيرها خيانة خائن أو غدر منافق أو خذلان جبان ...والله إنه ليصعب على القلم ويشق على بنانه أن يكتب بمداده عن مجاهد سقط على طريق الحق والإيمان شهيداً ، فكيف بالحديث عن فارس مثل (عماد عقل) رمزاً وقائداً ومجاهداً ؟؟!! لن يستطيع المداد أن يعطيه حقه من التكريم وهو الفارس - كإخوانه أبطال القسام - يرفض الحديث ويتجنب الإعلام والدعاية واضعاً نصب عينيه (قتل الجنود الاسرائيليين عبادة نتقرب بها إلى الله) .


المولد والنشأة:


في التاسع عشر من يونيو من عام ألف وتسعمائة وواحد وسبعين يطل (عماد حسن إبراهيم عقل) إلى الدنيا في مخيم جباليا ، وكان الوالد الذي يعمل مؤذناً لمسجد الشهداء في مخيم جباليا قد اختار لابنه الذي جاء ثالثاً بين الذكور هذا الاسم (عماد) تيمناً بالقائد المسلم (عماد الدين زنكي) الذي قارع الصليبيين ، في الوقت الذي كانت كل القيادات متخاذلة . نشأ (عماد) وتربى على طاعة الله في هذا البيت المتدين الفخور بعقيدته ، وبدا واضحاً منذ نعومة أظافره تمتعه بالذكاء والعبقرية ، ولهذا صمم والده على أن يواصل مسيرته التعليمية حيث تفوقه بحصوله على مرتبة متقدمة بين الأوائل ، وكما كان متوقعاً أحرز (الشهيد عماد عقل) الترتيب الأول على مستوى المدرسة وبيت حانون والمخيم في شهادة الثانوية العامة (التوجيهي) بعد ذلك تقدم بأوراقه وشهاداته إلى معهد الأمل في مدينة غزة لدراسة الصيدلة ، إلا أنه ما إن أتم إجــــراءات التسجيل ودفع الرسوم المقررة حتى وجد جنود الاحتلال يعتقلونه في 23/9/1988م ويقدمونه إلى المحكمة بتهمة الانتماء لحركة (حماس) والمشاركة في فعاليات الانتفاضة المباركة . عمّر الإيمان قلب (الشهيد عماد عقل) حيث تربى في أحضان عائلته المتدينة والمساجد القريبة من مكان سكناه التي اعتاد ارتيادها منذ أن بلغ الثانية عشرة ، وجد في مسجد النور القريب من مدرسة الفالوجة ضالته ، إذ عرفه أحد الإخوة الفضلاء على دعوة الإخوان وحبه للجهاد والاستشهاد ، نما وترعرع في رحاب المسجد ورضع لبن العزة والكرامة من خلال الدروس العلمية والتنظيمية والتعبوية حتى نضجت في مشاعره جذوة الجهاد والاستشهاد واستوت على سوقها مع بدء الانتفاضة ، ولقد تميز الشهيد رحمه الله بعمله الدءوب لما تتطلبه هذه المرحلة من ضرورة التواجد الإسلامي المكثف في مخيم جباليا الذي كان يسمى فيما سبق مخيم الثورة لما للتنظيمات الأخرى من قوة وتواجد فيه ، فشارك إخوانه في استنهاض همة الشباب وتجميع الصالحين منهم .


حب الجهاد والمقاومة


واكبت حركة (عماد) ونشاطه وقوة حبه للجهاد وقتال اليهود اشتعال الانتفاضة الفلسطينية المباركة وتصاعد وتيرتها وامتدادها على طول رقعة الوطن المحتل ، وما أن أطلقت (حركة الإخوان المسلمون) في قطاع غزة لشبابها وأنصارها العنان لقيادة المظاهرات وتوجيه الجماهير منذ الثامن من كانون أول (ديسمبر) من عام 1987 حتى تقدم الشهيد الصفوف مشكلاً المجموعات من الشباب المسلم في المخيم لملاحقة جنود الاحتلال وقطعان المستوطنين الذين كانوا يعيثون فساداً وتخريباً . كما شارك الشهيد رحمه الله في كتابة الشعارات الجدارية ضد العدو الصهيوني ، وعرف عنه ولعه الشديد بالمظاهرات والمسيرات الاحتجاجية ، فشارك في الكثير من فعاليات الانتفاضة ضمن مجموعات السواعد الرامية التي تكونت في المخيم بعد انبثاق حركة المقاومة الإسلامية (حماس) جناحاً ضارباً (لجماعة الإخوان المسلمين) في الضفة الغربية وقطاع غزة .


الاعتقال الأول والأخير


وباعتقال مجموعة كبيرة من كوادر وشباب حماس في ما يسمى ضربة آب (أغسطس) 1988، تعرض (عماد) وشقيقه (عادل) للاعتقال في الثالث والعشرين من أيلول (سبتمبر) من ذلك العام حيث أودع السجن ثمانية عشر شهراً إثر صدور الحكم عليه من محكمة عسكرية ظالمة بتهمة الانتماء لحركة حماس ، والمشاركة في فعالياتها وتكوين مجموعات مجاهدة وإلقاء زجاجات حارقة ، وما أن خرج الشهيد رحمه الله من المعتقل في آذار (مارس) 1990 حتى عاد إليه مرة أخرى إذ وجهت إليه سلطات الاحتلال تهمة تجنيد أحد الشباب المجاهدين في تنظيم حماس، فقضى الشهيد في المعتقل هذه المرة شهراً آخر بعد أن تيقنت أجهزة المخابرات الإسرائيلية أنه اعترف في المرة السابقة بالتهمة التي وجهت إليه .


خروج من السجن


وخرج من السجن بعزم وتصميم لا يلين على مواصلة طريق الجهاد ونيل الشهادة في سبيل الله حيث كان دائم الحديث عن جهاد (الرسول صلى الله عليه وسلم) وعن الشهادة والشهداء وبطولات (خالد بن الوليد وأبو عبيدة بن الجراح وصلاح الدين وسيف الدين قطز) وغيرهم من قادة الفتح الإسلامي ، ولذلك لم يرق لشهيدنا البطل أن يظل مقتصراً في جهاده على الحجر والمقلاع ، بل راح يبحث عن درجة أعلى من ذلك ، وعمّا يزيد من إلحاق الخسائر في صفوف جنود الاحتلال والمستوطنين والعملاء وتجار المخدرات ، فبدأ اتصالاته وتحركاته فور خروجه من المعتقـــل للالتحاق بالجهاز العسكري لحركة حماس المعروف باسم (كتائب الشهيد عز الدين القسام) الذي يلبي رغباته وطموحاته العسكرية ، فكان له ما أراد إذ أفرز في مجموعة (الشهداء) ، وهي من المجموعات الأساسية الأولى التي بدأت العمل في المنطقة الشمالية من القطاع بملاحقة العملاء الخطرين وتصفية بعضهم ، ثم اندمج تلقائياً في كتائب القسام وبدأ بممارسة مهامه الجهادية على أفضل ما يكون . وعلى الرغم من وجود من هو أكبر منه سناً وأقدم منه في المرتبة التنظيمية ، إلا أن ما يتمتع به الشهيد (عماد عقل) من ذكاء وفطنة وخفة حركة إلى جانب حذره واستعداده الدائم جعلت قيادة الكتائب ومجاهدي المجموعة يختارونه ضابط اتصال لهم ينقل التعليمات والأوامر والخطط وكل ما يتعلق بشأن المجموعة من وإلى القيادة . راحوا يصوبون سكاكينهم وخناجرهم إلى صدور المجرمين الساقطين في شباك العمالة والخيانة بتخطيط متقن وعمليات نوعية جريئة أثارت جنون اليهود ورفعت لواء عز الدين القسام في عزة وإباء، فقد كانت المجموعة تخطف العميل وتحقق معه مستفيدة مما لديه من معلومات ومسجلة اعترافاته على أشرطة تسجيل كوثائق للإدانة وأدلة لا يمكن إنكارها ، ثم تنفذ فيه حكم الله إذا رفض التوبة ، وكان لهذه العمليات الناجحة وقع بالغ عند الجماهير لما لها من أثر واضح في تطهير المجتمع من العناصر الفاسدة التي سممتها المخابرات الإسرائيلية ، وظل الناس يتابعون في شغف عمليات الكتائب التطهيرية في غزة وجباليا والشيخ رضوان ومخيم الشاطىء ، وكم كان استغرابهم عندما يسارعون إلى مكان الاختطاف أو إعدام العميل إن كان من الخطرين أو المعروفين بشكل جلي لا لبس فيه ، فلا يجدون المجاهدين وكأنهم تبخروا في الجو

الاثنين، 2 مارس 2009

أغيب وذو اللطائف لا يغيب





أغيب وذو اللطائف لا يغيب
وأرجوه رجاء لا يخيب
وأسأله السلامة من زمان
بليت به نوائبه تشيب
وأنزل حاجتي في كل حال
إلى من تطمئن به القلوب
فكم لله من تدبير أمر
طوته عن المشاهدة الغيوب
*******
وكم في الغيب من تيسير عسر
ومن تفريج نائبة تنوب
ومن كرم ومن لطف خفي
ومن فرج تزول به الكروب
ومن لي غير باب الله باب
ولا مولا سواه ولا حبيب
كريم منعم بر لطيف
جميل الستر للداعي مجيب
حليم لا يعاجل بالخطايا
رحيم غيث رحمته يصوب
*******
فيا ملك الملوك أقل عثاري
فإني عنك أنأتني الذنوب
وأمرضني الهوى لهوان حظي
ولكن ليس غيرك لي طبيب
فآمن روعتي واكبت حسودا
فإن النائبات لها نيوب
وآنسني بأولادي وأهلي فقد
يستوحش الرجل الغريب
ولي شجن بأطفال صغار
أكاد إذا ذكرتهم أذوب
ولكني نبذت زمام أمري
لمن تدبيره فينا عجيب
*******
هو الرحمن حولي واعتصامي
به.. وإليه مبتهلا أتيب
إلهي أنت تعلم كيف حالي
فهل يا سيدي فرج قريب
في ديان يوم الدين فرج هموما
في الفؤاد لها دبيب
وصل حبلي بحبل رضاك وانظر إلي
وتب علي عسى أتوب
وراع حمايت وتول نصري
وشد عراي إن عرت الخطوب
*******
وألهمني لذكرك طول عمري
فإن بذكرك الدنيا تطيب
وقل عبد الرحيم ومن يليه لهم
في ريف رأفتنا نصيب
فظني فيك يا سندي جميل
ومرعى ذود آمالي جميل
وصل على النبي وآله
ماترنّم في الآراك العندليب


الأحد، 1 مارس 2009

حماس .. وما أدراك ما حماس !!



يتحير كثير من المؤرخين في تسمية الفترات التاريخية التي تشهد تفرقًا في الأمة الإسلامية، ولذا فهم يلجئون عادة إلى تسمية الفترة بأبرز ما فيها من علماء ومجاهدين ومخلصين.. فعهد السلاجقة مثلاً معروف في التاريخ الإسلامي، وإن لم يكونوا يحكمون العالم الإسلامي كله، ولكنهم كانوا أفضل ما فيه، كذلك عهد الزنكيين والأيوبيين والمماليك، فهذه كلها فترات لم تشهد إلا وَحْدة محدودة بين بعض الأقطار، فلم يجد المؤرخون أفضل من تسميتها بأفضل ما فيها حتى وإن لم تكن التسمية شاملة لكل الدول المعاصرة آنذاك.
ولست أستبعد أبدًا أن تُعرف الفترة التي نعيش فيها الآن بفترة "حماس"، ويصبح المؤرخون لفترتنا يتجاهلون الكثير والكثير من الحكومات والأنظمة، ويعرِّفون فترتنا بأنها هي الفترة التي ظهرت فيها جماعة حماس، وحملت على عاتقها مهمَّة تحرير فلسطين من اليهود، بل لا أستبعد - إن استمرت الجماعة على نهجها وإخلاصها وعطائها وفكرها - أن تكون سببًا في توحيد المسلمين تحت راية واحدة بعد طول فُرقة وشتات.. وليس ذلك على الله بعزيز.

حماس .. وما أدراك ما حماس !!
قوم حملوا أرواحهم على أكفهم، وقاموا يجاهدون في سبيل الله لا يخافون لومة لائم..
قوم جعلوا مهمتهم الأولى أن يحرروا الأرض التي بارك الله فيها للعالمين.. قوم ألقوا الدنيا خلف ظهورهم، وعاشوا تحت قصف النيران، وحصار الأعداء والأصدقاء، ولو أرادوا لتركوا البلاد والعباد، ولعاشوا لأنفسهم، ولكثرت في أيديهم الأموال، ولكنها الجنة تملأ عليهم فكرهم وحياتهم.
قوم دفعوا من أرواح قادتهم وزعمائهم الذين لم يقبلوا أن يعيشوا في قصور وقلاع - كعامَّة الحكام العرب - بينما الشعب يعاني الألم والحصار..
قوم يحملون القرآن والسنة، ويقرءون التاريخ والواقع، ويفهمون معاني الجهاد والهدنة، وقوانين الحرب والسلام، وآليات القتال والتفاوض، ويعرفون كيف يأخذون بالأسباب مع كامل التوكل على الله.
هم بالجملة قوم يحملون بأمانة مهمة رفع رأس الأمة الإسلامية، وإعادة الكرامة المسلوبة، والشرف المفقود..
فجزاهم الله خيرًا كثيرًا!!
إنني والله أسعد بأني عشت في زمانهم، وكلما داخلني حزن أو ألم لما يحدث في بلاد العالم الإسلامي من جراح وأزمات، وخشيت على نفسي من إحباط مذموم، أو يأس مرفوض، أذهبُ إلى تاريخ حماس وواقعها، فأراجع بعض الصفحات، فأعود نشيطًا كما كنت، وسعيدًا من جديد، فأندفعُ إلى العمل والإنتاج بقوة أكبر، وحمية أعظم.
إن هذا يحدث دومًا عند قراءة قصص المجاهدين والمصلحين والعلماء..
إننا نأخذ دفعات كبرى جدًّا عند قراءه تاريخ الصحابة والتابعين، وعند تصفح حياة ألب أرسلان ونور الدين محمود وصلاح الدين وقطز، وعند مراجعة سيرة البخاري ومسلم والشافعي وابن حنبل والعز بن عبد السلام وابن تيمية.
وهذا يحدث أيضًا عند دراسة حياة أحمد ياسين والرنتيسي وأبو شنب وعقل ويحيى عياش، وكذلك هنية ومشعل والزهار وغيرهم وغيرهم من أبطال الأمة.


وليس معنى هذا الكلام أنهم قوم بلا أخطاء، أو أنهم معصومون كالأنبياء، فأنا أعلم أنهم يصيبون ويخطئون، ويختارون الأولى وخلاف الأولى، وينجحون ويفشلون، لكنهم في النهاية دُرَّة غالية في جبين الأمة الإسلامية.
ولكل ما سبق فإنني أحزن كثيرًا عندما أفتح كثيرًا صفحات الجرائد العربية، وعند مشاهدة الكثير من البرامج التلفزيونية الحكومية، فأجد حربًا ضروسًا على هذه الجماعة المباركة، وأرى هجومًا ضاريًا قد لا نجده في صحف اليهود ذاتها! ونرى كذلك شبهات وتشكيكات وادعاءات وافتراءات؛ فهذا يتهمهم بالولاء لإيران، وذاك ينعتهم بمحبي السلطة، وثالث يدَّعِي أنهم لا يقرءون الأحداث بعمق، وكأن الحكيم في هذا الزمن هو من رفع الراية البيضاء، وأعلن الاستسلام دون شروط!!
إن هذا يحزنني ولكن لا يدهشني!
إن كل زمان ومكان لن يخلو أبدًا من المنافقين!
والمنافقون هم قوم يحملون أسماءً إسلامية، ويعيشون في بلاد المسلمين، وقد يؤدون بعض الشعائر كالصلاة والصيام، ولكنهم يحملون في قلوبهم غلاًّ وضغينة على المسلمين أشد مما يحمله اليهود والنصارى والملحدون..
فالكفار قد أعلنوها صريحة أنهم يحاربون الإيمان والمؤمنين، أما هؤلاء المنافقون فأجبن من أن يعلنوا ذلك؛ لذا فهم يعيشون حياة التذبذب والحيرة والاضطراب، فيصلون وهم يكرهون المصلين، ويشهدون أنه لا إله إلا الله وهم يمقتون الموحِّدين، ويعيشون في بلاد المسلمين وهم يريدون لها السقوط في يد أعداء الدين.
ولذلك فإن هذه النفسيات المعقَّدة، والعقليات المنحرفة تكره أشد ما تكره صور المجاهدين والمخلصين، فتنطلق تنهش في أجسادهم دون رحمة ولا شفقة، وتتحيّن الفرص للكيد لهم والبطش بهم.
لقد كان هؤلاء المنافقون يعاصرون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما أقنعتهم الآيات المحكمة، ولا الأدلة الباهرة، ورأوا كرام الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين يتنافسون في فعل الخيرات فأكل الحقد قلوبهم، وانطلقوا يسخرون منهم ويلزمونهم، فإذا رأوا غنيًّا يجاهد بماله قالوا: هذا يرائي الناس، وإذا رأوا فقيرًا يأتي بالقليل الذي يملكه قالوا: وماذا يفعل هذا الشيء الحقير في دولة كبيرة، وجيش عظيم؟! فهم قد قرروا أن ينتقدوا كل أفعال المؤمنين مهما كانت جليلة، وسيبحثون عن كل مبرر منطقي يؤكد فِرْيتهم، ويثبت باطلهم.
ولقد ذكر الله عز وجل أمرهم هذا في كتابه الكريم عندما قال: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [التوبة: 79].
إنهم يسخرون الآن من الذين يجاهدون مع أن المجاهدين يمارسون شعيرة هي ذروة سنام الإسلام، ويسخرون من صواريخهم البدائية، مع أنهم بذلوا في صناعتها أقصى ما يستطيعون، وما دفعهم إلى استعمالها إلا أن العرب المحيطين يمنعون عنهم الصواريخ الحديثة والأسلحة المتطورة، بل وأحيانًا يمنعون الطعام والشراب!
إنني لا أخشى هؤلاء المنافقين لا من قريب ولا من بعيد، فإن الله قد وعد بذلهم وإهانتهم {سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ} [التوبة: 79]، وقال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء: 142].
إن المنافقين لا يرهبونني أبدًا، ولكن الذي أخشى منه فعلاً أن تستمع طائفة من المؤمنين إلى شبهاتهم ومنكراتهم، فيتأثروا بباطلهم، ومن ثَمَّ يتخاذلون عن نصرة المجاهدين، ويتقاعسون عن نجدتهم.. لقد قال الله تعالى مخاطبًا المؤمنين ومحذِّرًا لهم: {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} [التوبة: 47].
أي أن فيكم أيها المؤمنون من يستمع إلى المنافقين، بل ويُكثِر السماع، فنجد بعض المخلصين من أبناء الأمة يردِّدون هذه الشائعات المغرضة، ويتناقلونها فيما بينهم، وهذا فيه من الخطورة ما فيه، فالحذرَ الحذرَ أيها المسلمون، فإن وَحْدة صفِّنا من أهم عوامل نصرنا.
إننا قبل أن نشكِّك في جماعة كريمة كحماس، وفي أبطال مجاهدين كقادتهم وجنودهم، علينا أن ننظر إلى من يطعن فيهم من زعماء وإعلاميين، فنسألهم: وماذا فعلتم أنتم يا من تملكون الشعوب والطاقات، ويا من تسيطرون على مخازن السلاح والذخيرة، ويا من تهيمنون على وسائل الإعلام والسياسة؟! اذكرا لنا ماذا قدمتم للمسلمين قبل أن تسخروا من الذين يبذلون جهدهم ولو كان في أعينكم قليلاً؟!
أما أنتم يا حماس.. فهنيئًا لكم جهادكم وبذلكم وعطاءكم، وهنيئًا لكم فَهْمكم وعلمكم وعملكم، وأسأل الله لكم الإخلاص والثبات.
اللهم إني لا أملك أن أجازيهم، فجازهم أنت خير الجزاء!
اللهم ثبِّت أقدامهم، وسدِّد رميهم، وانصرهم على عدوِّهم!
اللهم آمين..
ونسأل الله أن يعز الإسلام والمسلمين.
-----------
بقلم/ د. راغب السرجاني.. موقع قصة الإسلام

الثلاثاء، 24 فبراير 2009

عبد القادر الحسيني .. درة في تاج الجهاد الفلسطيني






إنه واحد من كبار وأوائل المجاهدين الذين ضحوا بأنفسهم واستشهدوا في أرض المعركة. هو عبد القادر موسى كاظم الحسيني، ولد في استانبول في 8/4/1908م، توفيت والدته بعد مولده بعام ونصف فكفلته جدته لأمه، وما لبثت هي الأخرى أن فارقت الحياة ، فنشأ في كنف والده.
والده شيخ المجاهدين في فلسطين، موسى كاظم الحسيني، شغل بعض المناصب العالية في الدولة العثمانية متنقلاً في عمله بين أرجاء الدولة العثمانية، وكان أول من رفع صوته في وجه الانتداب البريطاني، وأول من دعا أهل فلسطين إلى الاحتجاج والتظاهر وإعلان السخط والغضب ضد وعد بلفور، فتولى قيادة أول مظاهرة شعبية في تاريخ فلسطين عام 1920م، وبسبب ذلك عزلته سلطات الانتداب البريطاني عن رئاسة بلدية القدس، فلم يكترث واستمر في نضاله الدءوب، واشترك في الكثير من المظاهرات، كانت آخرها المظاهرة الكبيرة في يافا في 27/10/1933، حيث أصيب فيها بضربات هراوات قاسية من قبل الجنود الإنجليز ظل بعدها طريح الفراش أياماً، حتى فارق الحياة سنة 1934م.
تربى الابن عبد القادر منذ صغره في بيت علم وجهاد، حيث كان هذا البيت بمثابة الحضن الأول له والذي كان يجتمع فيه رجالات العرب الذين يفدون إلى القدس، لأن والده موسى الحسيني كان رئيساً لبلديتها.
درس القرآن الكريم في زاوية من زوايا القدس، ثم أنهى دراسته الأولية في مدرسة (روضة المعارف الابتدائية) بالقدس، بعدها التحق بمدرسة (صهيون) الإنجليزية. أتم عبد القادر دراسته الثانوية بتفوق ثم التحق بعدها بكلية الآداب والعلوم في الجامعة الأمريكية في بيروت. أنتقل بعدها إلى القاهرة حيث درس الكيمياء والرياضيات كما نشر العديد من المقالات الصحفية المعارضة للاستعمار الإنجليزي والهجرة الصهيونية إلى فلسطين.
آثر العمل في مجال أكثر رحابة يستطيع به ومن خلاله أن يعبر عن آرائه، فالتحق بسلك الصحافة محرراً في جريدة (الجامعة الإسلامية)، وكان الاتجاه الوطني الذي نهجته الجريدة من أهم العوامل التي دفعته للعمل بها.
وعمل محرراً في جريدة الجامعة العربية (كانت تصدر بالقدس، ورأس تحريرها منيف الحسيني)، واستمر يكتب بنفس الحماسة التي عرفت عنه، وسار على الجريدة ما كان على سابقتها.
وعمل كذلك محررًا لصحيفة "اللواء" لسان حال الحزب العربي الفلسطيني، ولم تكن ظروف هذه الجريدة بأفضل من سوابقها.انضم عبد القادر إلى (الحزب العربي الفلسطيني) بالقدس، وتولى فيما بعد منصب السكرتير في هذا الحزب، وبدأت نشاطاته تبرز في الأفق الفلسطيني، مما أثار عليه حفيظة سلطات الانتداب، فأعادت عليه عرضها لشغل وظيفة (مأمور لتسوية الأراضي) بهدف اشغاله في شؤون الأرض والزراعة، وإبعاده عن مجال السياسة.
استطاع عبد القادر تحت ستار هذه الوظيفة أن يتصل بإخوانه المواطنين في القرى الفلسطينية المختلفة، الذين يمثلون القاعدة الارتكازية للثورة، فتعرف عليهم وانتقى منهم خيرهم فاستقطبهم، وشكل منهم خلايا سرية، وبث فيهم روح الحمية والجهاد، وجمع الأموال من موسريهم، واشترى أسلحة ومعدات، وخزنها في أماكن أمينة، وتدرب بعض الشباب على استعمالها.
قرر عبد القادر ولأسباب عديدة أن يتخذ بلدة (بير زيت) مقراً لقيادة الجهاد المقدس، كما قسم فلسطين إلى مناطق قتالية، وولى على كل منطقة منها قائداً من قادته، أما الخلايا السرية وقياداتها فظلت تابعة له مباشرة.


كان عبد القادر أول من أطلق النار إيذاناً ببدء الثورة على بطش المستعمر في 6 أيار 1936، حين هاجم ثكنة بريطانية (ببيت سوريك) شمالي غربي القدس، ثم انتقل من هناك إلى منطقة القسطل، بينما تحركت خلايا الثورة في كل مكان من فلسطين... وبلغت الثورة الفلسطينية أوج قوتها في تموز عام 1936، حيث انضم إليها من بقي من رفاق الشهيد عز الدين القسام، وبلغت أنباؤها العالم العربي كله، فالتحق بها المجاهدون العرب أفواجاً، وخاض الثوار العرب معارك بطولية ضد المستعمرين البريطانيين والصهاينة، ولعل أهم هذه المعارك كانت (معركة الخضر) الشهيرة في قضاء بيت لحم، وقد استشهد في هذه المعركة المجاهد العربي السوري سعيد العاص وجرح عبد القادر جرحاً بليغاً، وتمكنت القوات البريطانية من أسره، لكنه نجح في الفرار من المستشفى العسكري في القدس، بعد مغامرة رائعة قام بها المجاهدون من رفاقه فهاجموا القوة البريطانية التي تحرس المستشفى وأنقذوه وحملوه إلى دمشق حيث أكمل علاجه.عاد عبد القادر إلى فلسطين مع بداية عام 1938، وتولى قيادة الثوار في منطقة القدس، وقاد العديد والعديد من الهجمات الناجحة ضد البريطانيين والصهاينة، ونجح في القضاء على فتنة دينية كان الانتداب البريطاني يسعى إلى تحقيقها ليوقع بين مسلمي فلسطين ومسيحيها.


وفي خريف عام 1938، جُرح عبد القادر ثانية في إحدى المعارك، فأسعفه رفاقه في المستشفى الإنجليزي في الخليل، ثم نقلوه خفية إلى سورية، فلبنان. ومن هناك نجح في الوصول إلى العراق بجواز سفر عراقي يحمل اسم محمد عبد اللطيف.
وفي بغداد عمل عبد القادر مدرساً للرياضيات في المدرسة العسكرية في معسكر الرشيد، وفي إحدى المدارس المتوسطة، ثم التحق بدورة لضباط الاحتياط في الكلية العسكرية.
أيد عبد القادر ثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق عام 1941، وشارك مع رفاقه في قتال القوات البريطانية، لكنه بعد فشل الثورة أُلقي القبض عليه مع رفاقه من قبل السلطات العراقية، وصدر عليهم الحكم بالسجن، وتحت ضغط الرأي العام العراقي والرموز الوطنية العراقية، استُبدل السجن بالنفي عشرين شهراً إلى بلدة زاخو في أقصى شمال العراق.
كما مثُلت أمام المحكمة السيدة (وجيهة الحسيني) زوجة عبد القادر بحجة مساعدتها وإيوائها للثوار، وتحريضهم على القتال، وحكم عليها بالإقامة الجبرية في بيتها ببغداد مدة عشرين شهراً.
وعلى أثر اغتيال فخري النشاشيبي في شارع الرشيد ببغداد، اتُهم عبد القادر بتدبير خطة الاغتيال هذه، فبقي موقوفاً في بغداد قرابة السنة بهذه التهمة .. ثم نقل إلى معتقل العمارة، وهناك أمضى ما يقرب من سنة أخرى، حيث أفرجت الحكومة العراقية عنه في أواخر سنة 1943، بعد أن تدخل الملك عبد العزيز آل سعود ملك العربية السعودية. فتوجه إلى السعودية وأمضى فيها عامين بمرافقة أسرته.
وفي مطلع عام 1944 تسلل عبد القادر من السعودية إلى ألمانيا، حيث تلقى دورة تدريب على صنع المتفجرات وتركيبها، ثم انتقل وأسرته إلى القاهرة وهناك وبسبب نشاطه السياسي وصلاته بعناصر من حزب مصر الفتاة وجماعة الإخوان المسلمين، وتجميعه الأسلحة، وتدريبه الفلسطينيين والمصريين على صنع المتفجرات، أمرت حكومة السعديين المصرية بإبعاده.. لكن الضغوط التي مارستها القوى الإسلامية المصرية حالت دون تنفيذ ذلك الإبعاد.
عندما علمت الهيئة العربية العليا نية الأمم المتحدة تقسيم فلسطين، سارعت الهيئة برئاسة المفتي أمين الحسيني إلى الانعقاد، وقررت مواجهة الخطط الاستعمارية الصهيونية بالقوة المسلحة، وتقرر إنشاء جيش فلسطين لممارسة الجهاد الفعلي، واختير المفتي قائداً أعلى لهذا الجيش وأعاد تموين منظمة الجهاد المقدس، ثم حولها إلى جيش الجهاد المقدس الفلسطيني. وأسند قيادته العامة إلى عبد القادر الحسيني، بالإضافة لمهمة الدفاع عن القدس ورام الله وباب الواد.
وعندما أصدرت الأمم المتحدة قرارها القاضي بتقسيم فلسطين عام 1947، تسلل عبد القادر إلى فلسطين سراً مع بعض رفاقه، وفي نفس الوقت اجتاز الحدود الفلسطينية عدد من المجاهدين القادمين من سورية ولبنان، والتقوا جميعاً بعبد القادر ، وأخذوا يرسمون خطة جديدة للبدء في المرحلة القادمة من الجهاد. فأعادوا تشكيل قوات الجهاد المقدس، واتخذت بلدة (بير زيت) مقراً رئيسياً لتلك القوات، وتألفت في حيفا والناصرة وجنين وغزة قوات أخرى تابعة لها.
تعتبر هذه القوات طليعة العمل النضالي العربي التي انبثقت تنظيماتها من صميم الشعب الفلسطيني، وكانت في الحقيقة أول مظهر من مظاهر القوات الشعبية التي تحمل في جوهرها صفة الجيش الشعبي في بلد كان يرزح تحت نير الاستعمار البريطاني.
قامت هذه القوات بتنفيذ جزء كبير من واجباتها، فقد تمكنت من إجبار (115) ألف يهودي على الاستسلام في مدينة القدس نتيجة حصارهم باحتلال مضيق باب الواد وإقفاله، وقاموا بعدة معارك محلية، ونصبوا مئات الكمائن للقوافل اليهودية والإنجليزية، كما قامت فرق التدمير بنسف العديد من المنشآت والمباني مثل معمل الجير، عمارة المطاحن بحيفا، وعمارة شركة سولل بونيه اليهودية.
كما خاضت هذه القوات بقيادة عبد القادر أروع ملاحم البطولة والفداء مثل معركة بيت سوريك، ونسف شارع ابن يهوذا، ونسف مقر الوكالة اليهودية، ومعركة الدهيشة... وقد تكبد اليهود في هذه المعارك الخسائر الفادحة في الممتلكات، وقتل العدد الكبير منهم، وغنم المجاهدون الكثير من الأسلحة والعتاد والتي ساعدتهم على الاستمرار في نضالهم.




الاستشهاد



وقد كانت نهاية جهاد عبد القادر الحسيني في معركة القسطل، حيث كان اليهود قد استطاعوا احتلالها، وهي في موقع يمكنهم من التقدم إلى القدس؛ فسارع عبد القادر إلى دمشق حيث القيادة العربية لمنطقة القدس، وطالب بالسلاح والرجال، فرفضوا، فأراد السلاح فقط، فرفضوا، فأراد الذخيرة فقط فرفضوا، فأعلنها "أنتم خونة"، ولم يرجع إلا ببضع بنادق وثمانمائة جنيه فلسطيني، هي كل ما استطاع الحاج أمين الحسيني بشخصه تدبيره له.
وجمع القائد عبد القادر رجاله وسلاحه وهاجم القسطل عند الفجر، وقاتل فيها من بيت إلى بيت، ومن غرفة إلى غرفة، حتى استطاع رفع العلم الفلسطيني عليها قبل غروب شمس يوم 8 من إبريل 1948، ولكنه أصيب عدة إصابات برصاص العدو استشهد على إثرها.


استمرت معركة القسطل الشهيرة أربعة أيام بكاملها من 4ـ 8 أبريل 1948، وانتهت بأن تمكن المجاهدون من انتزاع البلدة العربية من أيدي الصهاينة، إلا أنهم لم يمكثوا فيها سوى بضع ساعات، تمكن الصهاينة بعدها في خضم ذهول المجاهدين بسبب استشهاد قائدهم عبد القادر الحسيني، من شن هجوم معاكس واحتلال البلدة مرة أخرى.
-----------------

بقلم/ أسماء العمدة - لواء الشريعة

الأربعاء، 18 فبراير 2009

الأحد، 15 فبراير 2009

عمر المختار .. شيخ المجاهدين


"عمر المختار" اسم خلدته الذاكرة الإنسانية، أما الذين شنقوا عمر المختار فلا أحد يذكرهم، وإن ذُكروا فدائمًا يقترن ذكرهم بكل ماهو مقيت ومكروه، وهذا درس تاريخي ينبغي أن نؤكد عليه ونحن نعيش مأساة غزة، المدينة الصامدة التي سيظل التاريخ يذكر مقاومتها وصلابتها وشهداءها، وما أحوجنا اليوم أن نستدعي شهداءنا الأبرار الذين قدموا أرواحهم فداءً لدينهم وبلادهم.
من هؤلاء يأتي عمر المختار، ذلك الرجل الذي حمل في قلبه هموم وطنه، وتصدى ببطولة فائقة للاحتلال الإيطالي لليبيا، سطرتها الذاكرة الإنسانية شعرًا ونثرًا، وفاخرت بها على مر الأجيال، هكذا هم أبطال التاريخ يحتلون الصدارة ويتربعون على قمة المجد، فهم أحياء وإن غابوا عن الدنيا، رجل تصدى لكبار جنرالات "روما"، ومرغ أنوفهم في الوحل ولم يستسلم لإغراءاتهم، ولم تراوده نفسه يومًا في خيانة وطنه وقضيته.
رجل تعلم الإيمان من دينه، وقاتل من أجل قضية عادلة مؤمنًا بأن انتصاره حتمي وإن طال الزمن، رجل أعطى درسًا حقيقيًّا للغزاة مثلما منح درسًا إضافيًّا للتاريخ، الذي أفرد صفحات مشرفة لبطولاته ورجولته ومعاركه الخالدة، التي قضَّت مضاجع جنرالات "روما" بقضهم وقضيضهم، أين هم جنرالات روما؟! لقد تحطمت أحلامهم الاستعمارية البغيضة على صخرة المختار ورفاقه، الذين آمنوا بأن الخلود في الدنيا يكمن في الإيمان بالقضية العادلة في مواجهة قوى الشر والاستكبار، تلك هي الحقيقة الخالدة، وتلك هي المواجهة الرائعة، التي أبداها المختار في روعة متناهية هزت "روما"، وسكنت ذاكرة العالم من أقصاه إلى أقصاه.
أين هم الخونة الذين تآمروا على المختار؟! أين هم الذين باعوا الوطن بالبطن في زخرف ووهم، ثم تبددت أوهامهم مع انتصار الشعب الليبي؟! الخونة لا مكان لهم في ذاكرة التاريخ، بل مكانهم الحقيقي دائمًا مزبلة التاريخ، هكذا علمنا التاريخ ودروسه، التي يجب أن تعيها الشعوب وتؤكد عليها.
عمر المختار اليوم أشهر من علم، وشوارع العالم التي تُسمى باسمه وميادينه شواهد حقيقية على عظمة الأبطال، أبطال التاريخ الذين يضحون من أجل قضايا عادلة، هي المنتصرة في نهاية المطاف مهما طال الزمن أو قصر.
عمر المختار اسم تردده الأجيال والأناشيد والأهازيج بكل فخر، وقدوة يقتدي بها الأحرار في كل مكان، استُشهد المختار، ونال شهادة الخير في الدنيا والآخرة، أما جنرالات "روما" فلا أحد يذكرهم بخير؛ إذ أن صفحاتهم مظلمة بالجرائم وملعونة يلعنها الجميع، تبصق عليها الأجيال وتزدريها وتلعنها، فاللعنة على القتلى السفاحين المجرمين، والخلود لعمر المختار الذي علمنا أن الحياة وقفة عز وأن الرجال مواقف، إنه الموقف البطولي الذي وقفه عمر المختار من التاريخ والحياة.
هكذا هو التاريخ دائمًا ينحني لمواقف الرجال العظام أمثال عمر المختار إجلالًا وإكبارًا، فالمختار رمز تحترمه الشعوب وتنهل من صفحات جهاده الدروس، دروس مكللة بأكاليل الفخار تحتفظ بها الشعوب في ذاكرتها وتخلدها في سيرتها وتعتز به أيما اعتزاز، فنم قرير العين يا شيخ المجاهدين.
كان عمر المختار بالنهار فارسًا مغوارًا، مجاهدًا في سبيل دينه وبلاده، بالليل زاهدًا متعبدًا خاشعًا، حمل القرآن في قلبه وجعل منه نبراس طريقه، يطوي الصحاري طيًّا، يلقى مصيره بصدر رحب حتى لو كان مصيره معلقًا على حبل مشنقة!! هذا هو أسد الصحراء الذي ارتجت لسيرته وبطولاته الإمبراطوية الإيطالية، رجل صدق ما عاهد الله عليه، فأبى أن يكون في زمرة الجبناء وآثر الطريق الوعرة، طريق الحرية، هذا هو البطل الذي حاولوا خداعه، ولكن يأبى التاريخ إلا أن يدخله صفحاته في مصاف المجاهدين والأبطال الخالدين.



النشأة والبدايات


ينتمي البطل الشهيد عمر المختار لعائلتي "غيث" و"فرحات"، وهما من أكبر عائلات قبيلة "بريدان"، أحد بطون قبيلة "المنفة"، وينتهي نسبه إلى قبيلة "مناف" من كبار قبائل قريش، والتي ترجع إلى قبائل "بني مناف بن هلال بن عامر" أولى قبائل الهلالية التي دخلت "برقة".
وُلد عمر المختار سنة 1862م في قرية "جنزور الشرقية" بمنطقة "بئر الأشهب"، شرق "طبرق"، الواقعة بالجهات الشرقية من "برقة" التي تقع بدورها شرقي ليبيا قرابة الحدود المصرية.
والده هو مختار بن عمر، اشتُهر بشجاعته في القتال وإقدامه، بالإضافة إلى مكانته بين قومه، أما أمه فكانت تُدعى عائشة بنت محارب، وذاق عمر المختار مرارة الإحساس باليتم مبكرًا، حيث تُوفي والده بينما كان في طريقه إلى مكة الم?رمة لأداء فريضة الحج بصحبة زوجته عائشة أم عمر المختار، الذي لم يكن قد تجاوز السادسة عشر من العمر وقتها.
تلقى تعليمه وحفظ علوم القرآن الكريم والفقه والسنة والحديث، بالإضافة إلى بعض المهارات والصناعات اليدوية، الذي كان ضمن نهج التعليم آنذاك، وعُرف عنه أيضًا تميزه في ركوب الخيل، إذ عُرِف بشخصيته القيادية واتزان كلامه وجاذبيته مع تواضع وبساطة شديدين.
وانقطع عمر المختار عن التعليم؛ نظرًا لحسه الوطني والقومي المبكر، وإحساسه بأن وطنه في حاجة إلى عمله وجهاده، وهكذا نال المختار حب "آل السنوسي"، واستحوذ على اهتمام ورعاية أستاذه "المهدي السنوسي"؛ لما رأى فيه علامات النبوغ ورزانة العقل، ورغبته وحرصه الشديدين على تلقي العلم.



سمات البطل عمر المختار


ومن السمات التي تميز بها البطل عمر المختار، ملكاته الشخصية الفطرية التي شكلت فيه من صغره ملامح القائد، وساعدته على أن يجد لنفسه طريقًا مباشرًا لقلوب تابعيه ومستمعيه؛ ومنها موهبة فن الخطابة، فقد كان أجش الصوت، رخيم الكلام، عذب اللسان يختار ألفاظه.
امتاز بذكاء متوقد وحضور البديهة، وكان يحرص دائمًا على قيادة المجاهدين بنفسه، حيث قضى معظم أيام حياته في التخطيط والتنظيم للهجمات الشرسة التي كان يقودها ضد جنود الحاميات العسكرية الإيطالية، كما عُرف عنه إصراره الشديد على خوض الحرب المقدسة ضد قوات الاحتلال الإيطالية، واستطاع عمر المختار قيادة المجاهدين لمدة 15 عامًا، أنهك خلالها تماما القوات الإيطالية التي كانت قواتها مجهزة بأحدث الآليات العسكرية المتقدمة في ذلك الوقت.
أما عن اليوم، الذي سقط فيه الشهيد البطل عمر المختار في أيدي الغزاة، فكان يوم 11 سبتمبر من عام 1931م بينما كان يستكشف مواقع العدو ويتفقد مراكز المجاهدين بمنطقة سلنطة برفقة فرسانه، ليُحاصَروا من قِبَل خمسة آلاف جندي إيطالي، حيث دارت معركة حامية قُتِل فيها جميع من بقي من رفقة المختار وأُسِر هو.
وعُقِدت جلسة لمحاكمته يوم 15 سبتمبر 1931م في مقر إدارة الحزب "الفاشستي" ببنغازي، وصدر فيها الحكم بإعدام المختار شنقًا حتى الموت، ونُفذ في صباح اليوم التالي الأربعاء 16 سبتمبر 1931م، وتم تنفيذ عملية الإعدام مرتين إلى أن فارق البطل الشهيد الحياة، ونقل إلى مقبرة الصابرى بناحية بنغازي.
وهكذا رحل القائد عمر المختار، ولكنه ترك من الأثر في صفحات التاريخ ما لا تنساه ذاكرة الأمم، فكل حبة من رمال الصحراء الليبية تشهد له ولجهاده وبطولاته وإخلاصه لدينه وحبه لوطنه؛ ليغدو صفحة مجسدة من البطولة الخالصة تنحني لها كل هامات أعدائه قبل أحبائه.إن بزوغ نجم عمر المختار وظهوره بقوة على المسرح السياسي والعسكري، عند اشتراكه عام 1899م مع قوة أتباع السنوسية في مقاومة الاستعمار الفرنسي بوسط إفريقيا، وكانت تجربته العسكرية الأولى في منطقة "واداي" عندما شارك المختار في مقاومة الاستعمار الأوروبي وصد الغزو الفرنسي، حيث أظهر في هذه الحرب صرامة وشجاعة أكسبته احترام قادته.



مواقف مشهودة



كان من المعروف عن عمر المختار ثباته وحكمته وصبره ورباطة جأشه، وظهر ذلك جليًّا من خلال مواقفه، والتي نرصد منها أنَّ إيطاليا حاولت بواسطة عملائها الاتصال به، وعرضت عليه بأنَّها سوف تقدِّم له المساعدة إذا ما تعهَّد ملازمة بيته تحت رعايتها، وأنَّ حكومة روما مستعدَّة بأن تجعل منه الشخصية الأولى في ليبيا كلِّها، وإذا ما أراد البقاء في مصر فما عليه إلا أن يتعهَّد بأن يكون لاجئًا ويقطع علاقته "بإدريس السنوسي"، وفي هذه الحالة تتعهَّد حكومة روما بأن توفِّر له راتبًا ضخمًا، وهي على استعداد أن يكون الاتفاق بصورةٍ سرِّية وتوفير الضمانات له، كما طلبت منه نصح الأهالي بالإقلاع عن فكرة مقاومة إيطاليا.
ولكنه رفض كل هذه الإغراءات من أجل الجهاد والوقوف في وجه المعتدين وخروجهم من بلده ليبيا.وقد أكَّد المختار هذا الاتصال لمَّا سُئِل عن ذلك، وقال:(ثقوا أنَّني لم أكن لقمةًَ طائبة يسهل بلعها على من يريد، ومهما حاول أحد أن يغيِّر من عقيدتي ورأيي واتجاهي، فإنَّ الله سيخيِّبه، ولست من المغرورين الذين يركبون رءوسهم ويدَّعون أنَّهم يستطيعون أن ينصحوا الأهالي بالاستسلام، إنَّني أعيذ نفسي من أن أكون في يومٍ من الأيام مطيَّة للعدوِّ وأذنابه وأدعو الأهالي بعدم الحرب ضدَّ الطليان).
وموقف آخر يشهد له بالشجاعة والإصرار على الجهاد ضد الأعداء دون الالتفات إلى ما يقوله الآخرون، فعندما خرج من مصر عام 1923م قاصدًا برقة لمواصلة الجهاد، اجتمع به مشايخ قبيلته الموجودون بمصر من المتقدمين في السن، وحاولوا أن يثنوه عن عزمه؛ بدعوى أنَّه قد بلغ من الكبر عتيًّا، وأنَّ الراحة والهدوء ألزم له من أيِّ شيء آخر، وأنَّ باستطاعة "السنوسية" أن تجد قائدًا غيره لتزعُّم حركة الجهاد في برقة؛ فغضب عمر المختار غضبًا شديدًا، وكان جوابه قاطعًا؛ حيث قال لمحدِّثيه: (نَّ كلَّ من يقول لي هذا الكلام لا يريد خيرًا لي؛ لأنَّ ما أسير فيه إنَّما هو طريق خير، ولا ينبغي لأحد أن ينهاني عن سلوكها، وكلُّ من يحاول ذلك فهو عدوٌّ لي).
أما صبره فيدل عليه هذا الموقف: حيث أنه وبعد أن ضيَّق العدو الإيطالي الخناق على المجاهدين في برقة، بعث برسالة إلى أحد أصدقائه في مكَّة جاء فيها: (إنَّ المجاهدين يعانون من نقص في كلِّ شيء ضروري للحرب، ضدَّ عدوٍّ يمتلك كلَّ شيء حتى الطائرات، وإنَّه لكي يقاوم المجاهدون فإنَّهم لا يملكون إلا صبرهم).
ورغم تلك الظروف البالغة الصعوبة، فقد أصرَّ عمر المختار على البقاء في أرض الوطن وعدم مغادرته، وكان يقول: (لا أغادر هذا الوطن حتى ألاقي وجه ربِّي، والموت أقرب إليَّ من كلِّ شيء؛ فإنِّي أترقَّبه بالدقيقة)، كما أنه كان كثير الدعاء إلى الله سبحانه وتعالى: (اللهم اجعل موتي في سبيل هذه القضية المباركة).
هكذا يكتب الرجال تاريخ الشعوب المجاهدة، فينحاز المعنى للمعنى، وتنفتح الذاكرة على الأحداث، ليكون الخلف وفيًا للسلف، يكتب هو الآخر تاريخ الشهادة، ويرسم معالم التحرر بوهج الكلمات القادمة من رحم كريم، فتصير الشهادة أمانة تتوارثها الأجيال.

-------------

بقلم/ أنس حسن

وزير الداخلية الشهيد






منصب وزير الداخلية في المنطقة العربية من المناصب المكروهة شعبيًا بسبب أساليب القمع والاستبداد التي تُمارسها وزارات الداخلية العربية، بخلاف تلفيق التهم للأحرار، وقمع المعارضة الشريفة والزج بها في السجون والمعتقلات.
ودائمًا المنصب في المنطقة العربية هو عنوان تزوير إرادة الشعوب والتعذيب، وتحتفظ منظمات حقوق الإنسان الدولية والإقليمية بسجل أسود في انتهاكات حقوق الإنسان لوزراء الداخلية العرب، وكل شهر وكل عام تصدر المنظمات الدولية والعربية تقارير تحصي فيها كم هائل من انتهاكات حقوق الإنسان العربي.
لكن في غزة حكاية أخرى فريدة ونادرة في وطننا العربي المغلوب والمقهور شعوبه دائما، ففي غزة تمت انتخابات نزيهة وجاءت حركة حماس بإرادة الشعب الفلسطيني إلى الحكم، وكان لافتًا ذلك الرجل سعيد صيام الذي حصد أعلى الأصوات في الإنتخابات؛ فقد حصل على ما يزيد من سبعين ألف صوت، وكيف لا يحصد تلك الأصوات وهو ابن فلسطين، وابن المقاومة، وأيضًا هو الشيخ الداعية خطيب مسجد اليرموك، وهو المصلح الإجتماعي الذي عرفته العائلات الفلسطينية بإصلاحه ذات البين بين الفلسطينيين.
فكان اختياره وزيرًا للداخلية في الحكومة التي شكلتها حركة حماس نقطة ملفتة وبارزة جدًا في عالم وزراء الداخلية العرب؛ فلأول مرة يرشح لمنصب وزير الداخلية رجل جاء بإرادة الشعب!!!، رجل مصلح اجتماعي وداعية إسلامي، رجل تربوي تعّلم وتربّى على يديه الآلاف من شباب غزة
فاندهش وزراء الداخلية العرب من هذا الوزير الذى يخالفهم فى كل شيء، بل لم يُعيَّن من قِبل حاكم لمهارته فى القمع، بل جاء بإرادة شعب فرفضوه لأنه ليس من طينتهم، ولم يدعى لاجتماع واحد لوزراء الداخلية العرب!!!
ولكن سعيد صيام لم يبالي، واستلم مهام منصبه فكان خير الرجال، أحبه الصغير والكبير ومضى يحارب الجريمة وتجارة المخدرات في غزة فازداد حب الشعب له، ولكن على الطرف الآخر العملاء والخونة والمجرمين حاولوا النيل منه ومن وزارته ففشلوا.
وشكل سعيد صيام القوة التنفيذية لتكون يدًا قوية تردع الخونة والمجرمين داخل غزة، وبفضل الله أحبط سعيد صيام الإنقلاب الأمريكي الدحلاني في يونيو 2007 فاشتد حنقهم وغيظهم من سعيد صيام الذي تمكن من القيام بواجبات منصبه بطريقة فريدة؛ حيث عمل على رضا الله ثم رضا الشعب الفلسطيني، وبفضل الله أحبط محاولات أكابر المجرمين في غزة، والعملاء الذين فشل فى إيقافهم كل وزراء ياسر عرفات، رحمه الله.
وكان ملفتًا أن سعيد صيام وزير الداخلية الفلسطينية هو الذي يرعى المقاومة، ويؤمن المظاهرات والمسيرات.. لا يقمعها، ويؤمن عمل فصائل المقاومة.. لا يقبض عليها ويعتقلها.
وفي ظل الحرب والعدوان الصهيوني الهمجي الوحشي العنصري على غزة لم يختفي الرجل، بل كان وسط أهله وشعبه ورجاله يضبط الأمن في ظل الحرب، ويساعد كل محتاج ويدفع مرتبات العاملين معه، بل ويوصلها إلى كل موظف يعمل معه في بيته.
وفي مساء الخميس 15 يناير ليلة الجمعة كان ميعاد البطل المجاهد سعيد صيام مع الشهادة، ولم يكن وحده بل كان معه ابنه وشقيقه وعائلته ليثبت للجميع أن قيادات حماس لا تختبىء وإنما وسط الشعب يقاومون بفضل الله.
يقينًا أعتقد أن الخونة من عملاء دحلان هم من قاموا بإرشاد العدو الصهيوني إلى مكانه، فقامت طائرات العدو بتدمير المنزل وتسويته بالتراب. على كل حال استشهد سعيد صيام (نحسبه كذلك ولانزكي على الله أحد) ليصبح أول وزير داخلية عربي يستشهد، ليضاف إلى مكارمه الأولى كـ أول وزير داخلية عربي يُنتخب، و أول وزير داخلية يحبه شعبه، وأول وزير داخلية مجاهد مقاوم للعدو الصهيوني، ثم أول وزير داخلية يُستشهد.
وكما قيل قديمًا بين أهل الحق وأهل الباطل الجنازات، فقد كان سعيد صيام أول وزير داخلية يشهد جنازته عشرات الآلاف وسط الحرب والتدمير، وتحت القصف غير خائفين، وتحاصرهم النيران والصواريخ والقنابل الفوسفورية الحارقة، ورغم ذلك يخرج عشرات الآلاف من أهل غزة لتوديع وزير داخليتهم الشهيد المحبوب، والدعاء له، ويبكون فراقه، ويهتفون بالثأر له، ويدعون الله أن يجمعهم به في الجنة، بينما الكثير من وزراء الداخلية فى المنطقة العربية عندما يموتون لا يعرفهم أحد، وينكرهم الناس، ويدفنون سرًا أو تحت الحراسة، ولا يخرج في جنازتهم إلا عدد محدود معروف، والجماهير تلعنهم، ويدعو كل مظلوم عليهم.
فهنيئًا لك ياسعيد صيام، يا أبو مصعب، حب الناس واختيار الله لك بالشهادة، وأسعدك الله في الجنة برضوانه يا أعظم وزير داخلية لم تعرفه، ولن تعرفه المنطقة العربية.
وهنيئًا لكل الشهداء في غزة، وأسأل الله أن يثبت أهل غزة، وينصرهم على اليهود ومن عاونهم.
------------
بقلم: ممدوح إسماعيل
-----------------------------

سعيد صيام

نشأته
هو سعيد محمد شعبان صيام، ولد في 22 – 7 – 1959 في مخيم الشاطئ في غزة، وتنحدر عائلته من قرية الجورة من قضاء المجدل عسقلان في جنوب فلسطين. كان متزوجا و له ستة أبناء، ولدان وأربع بنات.
دراسته وعمله
تخرج عام 1980 من دار المعلمين في رام الله حاصلا على دبلوم تدريس العلوم والرياضيات، و أصبح عضوا في اتحاد الطلاب بدار المعلمين برام الله ثم أكمل دراسته الجامعية في جامعة القدس المفتوحة التي حصل منها على شهادة بكالوريوس في التربية الإسلامية.
عمل معلما في مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في غزة من العام 1980 حتى نهاية العام 2003 حيث اضطر إلى ترك العمل بسبب مضايقات إدارة وكالة الغوث على خلفية انتمائه السياسي.
كما كان عضو اتحاد الموظفين العرب في وكالة الغوث لعدة دورات، وترأس لجنة قطاع المعلمين لمدة سبع سنوات متتالية، وكان عضو مجلس أمناء الجامعة الإسلامية في غزة. وعضو الهيئة التأسيسية لمركز أبحاث المستقبل مع الشهيد المهندس "إسماعيل أبو شنب".
عمل خطيبا وإماما متطوعا في مسجد اليرموك في مدينة غزة، وعمل كذلك واعظا وخطيبا في العديد من مساجد قطاع غزة.
شارك في لجان الإصلاح التي شكلها الإمام الشهيد الشيخ أحمد ياسين، لحل النزاعات بين الناس وذلك منذ مطلع الانتفاضة الأولى، التي عرفت بـ "انتفاضة المساجد" أو "انتفاضة أطفال الحجارة.
نشاطه السياسي
على الصعيد السياسي مثَّل حركة حماس في لجنة المتابعة العليا للقوى الوطنية والإسلامية، وكان عضو القيادة السياسية لحركة حماس في قطاع غزة حيث تسلم دائرة العلاقات الخارجية في الحركة. ويعتبر من أبرز قادة حماس السياسيين الجدد في القطاع و يلقب بالرجل الحديدي في حركة المقاومة الإسلامية حماس.
انتخب عضوا في المجلس التشريعي الفلسطيني عن كتلة "التغيير والإصلاح" ممثلة حركة المقاومة الإسلامية حماس. في العام 2006 كلف بمنصب وزير الداخلية والشئون المدنية في الحكومة الفلسطينية العاشرة. أسس قوة داعمة للقوى الأمنية الفلسطينية في قطاع غزة، سميت بالقوة التنفيذية.
تم تعيينه وزيرا للداخلية في الحكومة الفلسطينية المقالة في غزة في 3 يونيو 2008 في إطار توسيع الحكومة وتعيين 6 وزراء جدد.
تشكيل القوة التنفيذية
كان من ضمن مخططات العرقلة التي واجهتها حكومة حماس عقب تشكلها وتوليها السلطة السعي لزيادة حالة الفلتان الأمني والاضطراب من قِبل بعض الانقلابيين الساعيين لإسقاط الحكومة الشعبية، حتى يسهل الزعم بعجز حكومة حماس عن السيطرة على الأوضاع الأمنية التي تمثل المشكلة الأكبر في الداخل الفلسطيني.جاءت حالة الفلتان الأمني تزامناً مع صمت مريب من قبل الأجهزة الأمنية التابعة للرئيس الفلسطيني "محمود عباس"، والتي غضت بصرها عن حوادث الانفلات الأمني الذي يقوم بها منتسبون لها، إضافة لرفضها المستمر تنفيذ أوامر وزير الداخلية "سعيد صيام".وفي ظل تلك الأوضاع لم تجد الحكومة الفلسطينية المنتخبة حلاً سوى تشكيل قوة جديدة أنشأها وزير الداخلية "سعيد صيام" بعد تشكيل حماس للحكومة في مارس من العام 2006 وأطلق عليها "القوة التنفيذية"، وكانت ذات تركيبة متعددة، حيث أعضاؤها من مقاتلي فصائل المقاومة الفلسطينية المختلفة، وفي يوم 17/5/2006 انتشرت "القوة التنفيذية" في شوارع المدن بهدف واضح هو: حفظ الأمن والنظام، والقيام بالدور المفقود الذي كان يفترض أن تقوم به الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة، من فض للنزاعات، والمحافظة علی المؤسسات الحكومية والوطنية والإسلامية، وحفظ الأمن العام للمواطن الفلسطيني.وعندما أصدر الرئيس الفلسطيني "أبو مازن" قراره بعدم شرعية تلك القوة، صدر بيان من هيئة رئاسة الجهاز التشريعي أن المادة 69 الفقرة 7 من القانون الأساسي الفلسطيني نصت على أن الأمن الداخلي من اختصاص مجلس الوزراء، كما نصت المادة رقم 3 من قانون الأمن رقم 8 عام 2005 على صلاحية وزير الداخلية لتشكيل أو استحداث أي قوة يراها مناسبة لمساندة الأجهزة الأمنية في حفظ النظام وفرض الأمن، كما أن المادة 69 من القانون الأساسي يمنح الوزير صلاحية تشكيل مثل هذه القوة.
اعتقاله
تم اعتقال صيام أربع مرات إداريا من قبل الجيش الإسرائيلي خلال فترة الانتفاضة الأولى و التي كانت قد اندلعت في 7 ديسمبر 1987، و تم بعدها إبعاده إلى مرج الزهور في جنوب لبنان عام 1992 لمدة عام كامل.
كما اعتقله جهاز المخابرات العسكرية الفلسطيني عام 1995 ضمن اعتقالات شنتها السلطة الفلسطينية ضد كل من حماس و الجهاد الإسلامي بسبب سلسلة من العمليات الاستشهادية في إسرائيل.
محاولات الاغتيال
قصف سلاح الجو الإسرائيلي في حزيران 2006 مكتب صيام و ذلك في أثناء الهجوم على غزة بعد اختطاف الجندي الإسرائيلي التي قام بها عناصر مقاتلة من كتائب عز الدين القسام، وفصائل مجاهدة أخرى.

استشهاده

أعلن الجيش الإسرائيلي في يوم 15 يناير 2009 اليوم العشرون للعدوان على غزة (ديسمبر 2008) عن اغتياله لسعيد صيام في حوالي الساعة 7 مساء الخميس مع شقيقه رياض صيام وولده و قيادي آخر في حماس. و ذلك من خلال قصف منزل شقيقه الكائن في حي اليرموك بمدينة غزة بواسطة صواريخ جو أرض أطلقتها طائرة إف 16.
حماس نعته وقالت إنه لحق بإخوانه القادة الشهداء الذين ارتقوا من قبل أمثال الشيخ أحمد ياسين والدكتور عبد العزيز الرنتيسي وإبراهيم المقادمة والمهندس إسماعيل أبو شنب وجمال منصور وجمال سليم والشيخ صلاح شحادة وأخيرا بالشهيد القائد الشيخ نزار ريان الذي ارتقى هو الآخر في غارة مماثلة استشهد هو و15 من أفراد أسرته.
للمزيد حول الشهيد
· الشهيد سعيد صيام.. المحارب الهادئ.
· الشهيد الوزير النائب صيام .. 50 عاما قضاها في طاعة الله وخدمة الشعب الفلسطيني.
· سعيد صيام .. شهيد الصف الأول.

والدي الشهيد.. أهلي الشهداء (2) بقلم الحبيب: بلال نزار ريان


أبو بلال نزار عبد القادر ريان العسقلاني عالم عامل عابد زاهد ومجاهد استشهد مرابطًا على ثرى فلسطين الحبيبة .. لقد قالها رحمه الله في آخر لقاء بيننا: نتمنى أن تسيل دماؤنا جميعاً مقابل أن تحيا الأمة، وتعيش بكرامة. عاش عزيزًا كريمًا، ونال شهادة أغاظ الله بها قلوب الحاقدين المجرمين، فقد أكرمه الله بالشهادة لتكون وسام عز وشرف تخرس بها كل الألسنة المتطاولة على الجهاد والمجاهدين.

والدي الحبيب نزار عبد القادر ريان: ولد في معسكر جباليا للاجئين في السادس من آذار (مارس) عام 1959 حيث ترعرع بين أهل هذا المخيم، وشاركهم معاناة الهجرة وآلامها، وعانى من تسلط العدو ومرتزقته الخونة، وتجبر الاحتلال على أهله وجيرانه وأحبابه..فمثل أي إنسان حر وكريم يأبى الظلم على نفسه وأهله وشعبه حمل هم القضية الفلسطينية، وصمم على حقه في العودة إلى دياره التي هجر منها ظلمًا وعدوانًا، وظل ينافح عن هذا الحق حتى قدم في سبيل ذلك حياته وستة عشر فرداً من أسرته.

نزار ريان الأب الحاني والابن البار والأخ الصادق والحبيب العاشق، وكل معاني الإنسانية الرائعة .... تميز بسعة الصدر ورحابته، وقد كان صدره متسعًا للجميع لكل الشرفاء وأهل الكرامة ..

لقد كان رحمه الله علمًا ونبراسًا لطلبة العلم ، فلقد أسس المكتبة العامرة، وهو في بداية المرحلة الإعدادية لتكون عامرة بالعلم وأهله، أسسها قبل أن يؤسس منزلا ليسكنه، وكانت أكبر مكتبة خاصة في قطاع غزة، ولقد كان محبًا للعلم وأهله فهو التلميذ الوفي لأساتذته، والأستاذ العزيز بعلمه، المتواضع بأخلاقه مع تلامذته وطلابه، وبالرغم من انشغاله بقيادة العمل السياسي في صفوف حركة المقاومة الإسلامية حماس إلا أن ذلك لم يشغله عن طلب العلم فلقد حصل على درجة الأستاذية "بروفيسور" في علم الحديث الشريف، ولم يثنه ذلك عن مواصلة درب الجهاد والمقاومة، فكان قائداً سياسياً وفي نفس الوقت جندياً في كتائب القسام، ولم يمنعه جهاده ورباطه من مواصلة التأليف والتصنيف، فقد صنف كتبًا عدة في الرقائق والأخلاق والسياسة الشرعية وعلوم الحديث وأكثرها تأثيرًا في النفس كتاب: "وأظلمت المدينة" وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، كتب رسالته التحضيرية لنيل درجة الماجستير بعنوان "أحاديث الشهادة والشهيد"، وقد قام بجمع الأحاديث المتعلقة بفضل الشهادة وأحكامها من جميع كتب السنة، وكان يحدث إخوانه قائلا: "لا يليق أن أكتب في هذا الموضوع ثم لا ألقى ربي شهيدًا"، أما رسالة الدكتوراه فكانت بعنوان مستقبل الإسلام وأي مستقبل كتبته لنا أبتاه! وأعظم رسالة سطرها بدمه، ودم زوجاته الأربع، وأبنائه الاثني عشر هي رسالة الصمود والتحدي للعدو المجرم الجبان.

بيتنا العامر: " دار العز يا دارنا " لقد كان بيت والدي الحبيب نزار ريان عامرًا بالمكتبة العامرة وبأهله الكرام الطيبين، باب البيت كان دائما مفتوحًا لا يرد أحدًا، كان ملاذا للخائفين، وعونًا للمحتاجين، وفرجة للمكروبين، ومدرسة لكل طالب علم جادّ.

يشهد الله أن والدي رحمه الله كان ينفق على المحتاجين أكثر مما ينفق على نفسه وأهله، ولا يبخل عليهم بل يجود عليهم بكل ما يستطيع، ويتمنى أن يفعل لهم المزيد، كان لا يخرج من باب البيت حتى يملأ جيبه بالمال لينفقه على المحتاجين الذين يصادفهم في الطريق، كان يبذل كل ما يستطيع ليحل مشاكل الناس لم يكن بعيدًا عنهم بل كان فردًا منهم يشاركهم أفراحهم وآمالهم، ويحمل همومهم وآلامهم، حتى إنه كان لا ينام الليل يفكر في راحتهم وفي سبيل تفريج كربتهم. أذكر أنه قبل الحرب بقليل ضاق الحال بالناس بشكل لم يسبق له مثيل وكان الوالد متأثرًا بشكل كبير، ودموعه في عينيه يومها، أقسم بالله أنه يود بيع المنزل لإنفاق ثمنه على المحاصرين، فرجوته قائلا: أين يذهب أولادك وزوجاتك فهم أمانة في عنقك فرجوته كثيراً إلى أن يسر الله له الشهادة، ودمر منزله بالكامل والمنازل المجاورة له.

إنني لم أحزن على نفسي رغم ألم الفراق الذي يهز أعماق الفؤاد، إنما حزنت على هؤلاء الناس الذين سيفتقدون والدي أكثر مني، سيفتقدون من كان لهم عونًا وقلبًا رحيمًا ويدًا معطاءة؛ لكن الله أسأل أن يعوضهم ويرزقهم خيرًا ..


نظرت إلى أطفال جيراننا فتذكرت موقفا لوالدي لن أنساه ما حييت: في الجهة الخلفية لبيتنا يوجد ساحة صغيرة، وبها عدة مراجيح قام أبي بتفصيلها لدى حداد في المعسكر، فكان أطفال الجيران على الباب ينظرون لإخوتي، وهم يلعبون ويتضاحكون، فرآهم والدي من نافذة المكتبة العامرة، وناداهم جميعًا، وأنزل إخوتي عن المراجيح، وترك أولاد الجيران يلعبون قرابة الساعة أو يزيد وهو فرح بذلك ويضحك معهم، ويطل عليهم بين الفينة والأخرى من نافذة المكتبة إلى أن اكتفوا. وقال لهم: متى شئتم تعالوا؛ فالباب مفتوح لكم.

في بداية الحرب خرج الوالد للسوق يشجع الباعة ويحثهم على البيع بشكل طبيعي في ظل الحرب، ويثبت الناس ويدعم صمودهم ويذهب لأعراس الشهداء ولزيارة المصابين، ويقسم لهم أن الله ناصرهم وأنه سيهزم العدو الجبان، ولن يتمكن من دخول القطاع، وأذكر يوم أن كان العدو على تخوم مخيم جباليا في معركة أيام الغضب، فأقسم الوالد على الإعلام أنهم لن يدخلوا معسكرنا؛ فبر الله قسمه وأتم وعده، ولم يتمكن العدو من الدخول.

طلب مني أن أصرف له بعض المال، قال لي: يا بني؛ الآن الناس في حرب، وأكثرهم محتاجون، ولا يجدون قوت يومهم، فصرفت له، وأنفق ما أنفق، واستشهد وبعضها تخضب بدمه حين استشهاده، رحمة الله عليه.


ووالدي رحمة الله عليه كان عملة نادرة، وشخصية فريدة، ولو بقيت أكتب عنه عمري كله لن أوفيه حقه، فعز أن تجد والدًا مثله، أو ابنًا مثله، أو أخًا مثله، أو جارًا مثله، أو زميل دراسة أو عمل مثله، أو أن تجد في الدنيا عابدًا عالما عاملاً بعلمه مجاهدًا، سامحه الله لقد رفع السقف عالياً، وأتعب من بعده حقاً! رحمك الله يا قرة العين، وخلجة القلب، ورفيق الدرب، كنت لي أبًا وأخًا وصديقًا، ومثلا أعلى. جمعنا بك عن قريب في الفردوس الأعلى.


يا حنين الشوق فينا **** حل بيـنٌ يا حنينا

هل تذكرت الليالي **** عطرها ينسي الحُزونا

يوم أن كنا سويًا **** في رياض تحتوينا

في رياض الحب كنا **** نستقي منها الفنونا

-----------

منقول من الجزيرة توك
-------------
أسماء الشهداء في الغارة الوحشية على منزل الشيخ نزار ريان هم
الشيخ نزار عبد القادر محمد ريان
الزوجات وهم:
هيام عبد الرحمن ريان - أم بلال، نوال إسماعيل ريان - أم عبد الرحمن، إيمان خليل ريان - أم علاء، شيرين سمير ريان - أم أسامة
ومن الأبناء وهم : غسان نزار ريان، عبد القادر نزار ريان، عبد الرحمن نزار ريان، أسامة نزار ريان، أسعد نزار ريان
ومن البنات هم : آية نزار ريان، مريم نزار ريان، زينب نزار ريان، عائشة نزار ريان، ريم نزار ريان، حليمة نزار ريان

والدي الشهيد .. أهلي الشهداء (1) بقلم الحبيب: بلال نزار ريان


والدتي الغالية الحبيبة أم بلال الأم الصابرة المجاهدة عاشقة الشهادة في سبيل الله، كيف لا وهي أول من قدمت ابنها للشهادة في سبيل الله وودعته، ونام في حضنها قبل خروجه للعملية الاستشهادية، فلقد كان أخي إبراهيم الشهيد ورفيقه عبد الله شعبان "رحمهما الله" أول من اقتحم المستوطنات الصهيونية: "مستوطنة إيلي سيناي" بتاريخ 2-10-2001 م ولم يكمل إبراهيم يومها عامه السابع عشر، ومكنه الله عز وجل –بصحبة رفيقه- من قتل أربعة جنود وإصابة ما يقرب من عشرين، والإثخان في العدو، ويومها قال عدو الله شارون: " إنها ليلة صعبة على دولة إسرائيل".


لقد كانت والدتي رحمها الله هي وجميع زوجات أبي "خالاتي" رحمهن الله يذهبن إلى بيوت الشهداء يواسينهم ويصبرنهم، ويخففن عنهم المصاب حتى في آخر يوم من حياتهن ذهبن إلى بيوت العزاء، وكان آخر بيت ذهبن إليه هو بيت الشهيدة - زوجة الشهيد - فاطمة صلاح رحمها الله ، كلهن بلا استثناء كن يتمنين الشهادة في سبيل الله، ويدعين الله أن يرزقهن الشهادة، فصدقن الله فصدقهن الله ،سيفتقدك المرابطون يا حبيبة القلب في منتصف الليل، وأنت تجودين بأفضل ما لديك من طعام وحلوى.


خالتي أم عبد الرحمن زوجة أبي الثانية رحمها الله، كم كانت محافظة على صلواتها في المسجد، هي وباقي زوجات أبي وكانت تحافظ على قيام الليل والاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان هي وباقي الخالات الطيبات.


أذكر موقفًا في معركة أيام الغضب عندما اشترى والدي رحمه الله مستلزمات الإسعاف الأولي، وجهزها لخالتي أم عبد الرحمن لإسعاف المجاهدين والمرابطين، _ فهي تحمل شهادة عليا في التمريض وعملت فترة طويلة في تدريس التمريض في أحد أرفع معاهد غزة _ فأحضر لها والدي الأدوات اللازمة إن احتاج الأمر لذلك، وعلى الفور أعدت نفسها وهيأتها لهذا الأمر، وكانت فرحة بذلك فرحًا شديدًا وفخورة به.


خالتي أم علاء الزوجة الثالثة لوالدي خالتي الحنونة صاحبة القلب الطيب الرقيق -وكلهن طيبات طاهرات- لقد كانت رحمها الله معطاءة جدًا، تعطف على الجميع، وتحمل هموم الآخرين وتواسيهم حتى إنها كانت تبكي لهموم الناس وآلامهم، وتدعو الله أن يفرج عن المسلمين كربهم.لقد أكرمها الله بأن رابطت ليلة مع والدي من ليالي الرباط المباركة، ولقد كانت تتهيأ رحمها الله لمناقشة رسالة الماجستير في قسم التفسير بكلية أصول الدين في الجامعة الإسلامية بغزة، ولكن الله شرفها بالشهادة في سبيله، وهي أعظم من أي شهادة من شهادات الدنيا شهادة كتبتها بدمائها الطاهرة .

خالتي أم أسامة بن زيد الحافظة لكتاب الله، الحاصلة على درجة البكالوريوس بكلية أصول الدين، وطالبة الماجستير بقسم الحديث الشريف بكلية أصول الدين بالجامعة الإسلامية بغزة, والمدرّسة للتربية الإسلامية بمدارس الابتدائية، لقد كانت كباقي زوجات والدي الحبيب معطاءة محبة للخير والجهاد، رحمهن الله جميعًا، وأسكنهن الفردوس الأعلى، وجمعنا بهم عن قريب.


أما إخوتي الأحباب والذين كلما تذكرتهم وتردد صدى ضحكاتهم في أذني، وفي الصورة المقابلة لها أتذكر كيف مزقتهم يد الغدر الصهيونية إلى أشلاء ولم ترحم طفولتهم وبراءتهم، إن قلبي على هؤلاء يتفطر ويبكي دماً، ولن يشفي غليلَنا إلا زوالُ إسرائيل، أسأل الله أن يتم ذلك عاجلاً غير آجل، لكن عزاؤنا أنهم مضوا في سبيل الحق .. في سبيل الله .

في المكتبة مع بعض الإخوةإخوتي الذين مضوا مع والدي أحد عشر طفلا أكبرهم غسان ذو الستة عشر ربيعًا : غسان فقد إحدى حبيبتيه في أيام حصار المجاهدين في بيت حانون، وخرج في مسيرة مدنية لفك حصارهم، ومكن الله لهم ذلك، وأول كلمة قالها بعد أن علم بفقد عينه وهو في المستشفى: الحمد لله أنني أستطيع أن أقنص بعيني الثانية.غسان كان نائما في غرفته لحظة القصف، كان مستلقيًا على سريره متخففا من أعباء يعرفها قلة من الناس، لكن هي كلمة قالها لي والدي الحبيب: ما أجمل أن ينام الإنسان ويستيقظ فيرى نفسه في الجنة. نحسبهم شهداء في جنة الفردوس ولا نزكي على الله أحدًا .


أخي عبد القادر


أخي وحبيبي عبّود "عبد القادر" الطفل المدلل المحبوب من الجميع، كلما كان العدو الصهيوني يقصف ويشن غاراته كان يختبئ في حضن والدتي ويقول إذا استشهدت أستشهد في حضن والدتي، وكان له ما تمنى فدفن في حضن والدتي رحمهما الله رحمة واسعة.


أختي آية وهي بعمر عبد القادر في الصف السادس الابتدائي كانت طفلة بريئة جدا كانت مفعمة بالحياة سلبها إياها العدو الجبان، أصرّت على أن تموت بجلبابها ومنديلها، عفيفة طاهرة كبيرة –على صغر سنها- وكان لها ما أرادت. رحمة الله عليها.
حبيبتي مريم في الصف الرابع الابتدائي؛ مريم التلميذة المتميزة المتفوقة في دراستها، والتي كانت تحلم بمستقبل واعد وغد أفضل تنتظر الحرب أن تضع أوزارها لتعود إلى مقاعد الدراسة لكن اليهود الحاقدين حرموها من حقها في العيش بسلام أو أن تكمل دراستها كباقي أطفال العالم.




زينب


أختي زينب الطفلة البريئة التي لم تعرف من الدنيا شيئًا بعد، والتي لم تمنعها الحرب من مواصلة لعبها لعلها كانت تجد في اللعب متنفسا بعيدا عن الخوف والرعب، صاحبة أطيب قلب عرفته.


أخي عبد الرحمن وأختي ريم الحلوة وأختي حليمة الأميرة كلهم كانوا في عمر واحد –خمس سنين لكل منهم- كانوا سوية في البستان في روضة الخلفاء الراشدين يذهبون معًا، ويعودون معًا، صورتهم هذه لا تكاد تغيب عن ناظري أبدًا، لقد كانوا ثلاث زهرات جميلة، أحرقتها آلة الدمار الصهيوني، ولم تشفع لهم براءتهم فقلب عدوّهم أقسى من الصخر فكيف يلين ؟ فحسبي الله ونعم الوكيل.

أسامة بن زيد ذو السنوات الثلاث، كان أول ما نطق: "أنا عند بابا"، فاستشهد بين ذراعي أبيه، فحسبي الله ونعم الوكيل.


عائشة أصغر منه بشهرين، صغيرة كانت، لكنها في منتهى الذكاء وخفة الظل، لم يصعب عليّ أن أرى في عينيها فرحتها بإخوتها الشباب، فكانت أكثر الصغار تسليمًا علينا.. رحمة الله عليها.


أخي أسعد


وانتهاء بأصغر شهدائنا، ذي العام والنصف أسعد، سماه أبي على اسم عمي الشهيد أسعد، أخي أسعد صاحب الوجه الغض النضر، لم يرحمه العدو الجبان فوجد شهيدا بين أحضان والدته خالتي أم عبد الرحمن، رحمة الله على أسعد، كنت أحبّ أن أراه أكثر..


بأي ذنب قتل أخوتي الصغار بهذه الوحشية والهمجية ؟ ألأنهم أبناء نزار ريان ؟؟؟؟كان بإمكان العدو الجبان أن يستهدف الوالد بسهولة عندما كان يخرج للصلاة والمسيرات والسوق، ولو انتظر قليلا، لخرج لصلاة العصر وحيدًا، لكن قادة هذا الكيان المسخ أصرّوا على إبادة العائلة، وتدمير المنزل على رؤوس أهله.
والله إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، وإنا على فراق أهلنا وأحبابنا لمحزونون، لكن عزاءنا أننا اخترنا هذا الدرب؛ درب الجهاد والمقاومة، درب العزة والكرامة، درب التضحيات، ولن نحيد عنه ما حيينا .

فأبي وأمي وخالاتي وإخوتي الاثني عشر أخاً وأختًا سطروا بدمائهم أروع ملاحم البطولة والفداء، سطروا رسالة التحدي والصمود، فلن نتنازل عن أي شبر من بلادنا فلسطين.كل فلسطين بلادنا وأرضنا الحبيبة سنعود يا حيفا، سنعود يا يافا، سنعود يا نعليا، سنعود يا عسقلان، سنعود يا قدس، وسنصلي في المسجد الأقصى، وسينطق الحجر والشجر: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي ورائي تعال فاقتله.


هذا وعد الله لنا ولن يخلف الله وعده.

التقي الخفي الدكتور إبراهيم المقادمة



سنة النشر:2008

دار النشر :مركز الإعلام العربي-القاهرة

عدد الصفحات :72


يعرض الكتاب لتجربة وحياة أحد الشخصيات القيادية البارزة في حركة حماس، فالدكتور إبراهيم المقادمة شغل مواقع مؤثرة داخل أروقة حماس، وتقلب في سلم المهمات بين الجوانب التربوية والتثقيفية، والأقسام الجهادية والعسكرية.
وقد جمع المقادمة بين عديد الصفات التي أهلته للعب دور بالغ التأثير داخل حركة حماس، ولم يكن دور المقادمة مكشوفًا إعلاميًا، وإن كان عطاؤه قد لمسه أبناء حماس، وأدرك أهميته الكيان الصهيوني، والذي لم يألو جهدًا من أجل النيل من هذه الشخصية المحورية.
في ختام رحلته العامرة بالعطاء نال د.المقادمة ما كان يحلم به، وارتفع شهيدًا مخلفًا الكثير من الآثار والأعمال التي ستظل محفورة في ذاكرة أبناء الشعب الفلسطيني.
أصل الشهيد المقادمة يرجع إلى بلدة بيت دارس داخل أراضي فلسطين المحتلة عام 1948، حيث ذاقت أسرته مرارة التشرد عندما هجرتها قوات الاحتلال من بلدتهم، حيث انتقلت الأسرة إلى مدينة غزة مستقرة في معسكر جباليا، إلا أن جرافات الاحتلال الإسرائيلي لاحقتهم، حيث هدمت منزل المقادمة عام 1970 إلى جانب عشرات من منازل الفلسطينيين، فانتقلت الأسرة بعد ذلك إلى مخيم البريج، وكان عمره في تلك الأثناء لا يتجاوز عشر سنوات.
عرف الشهيد المقادمة بشدة البأس، وقوة الشخصية التي ورثها عن والده المعروف بالشهامة وشدة المراس، حيث بدت عليه معالم الرجولة والذكاء الشديد من صغره.
ويعرض الكتاب لنبوغه الدراسي، حيث حصل على الترتيب الأول في مدرسته الثانوية، ثم انتقل إلى القاهرة ليلتحق بكلية طب الأسنان، وعاد إلى فلسطين ليتنقل بين مستشفياتها إلى أن فتح عيادة أسنان في معسكر جباليا، والتي أغلقها بعد ذلك لاستشعاره أنها تعيقه عن عمله الإسلامي، حيث انتمى الدكتور المقادمة إلى جماعة الإخوان المسلمين في عام 1968م، ومارس نشاطًا دعويًا واسعًا.


صفاته ومناقبه


ويؤكد الكتاب على أن الدكتور إبراهيم المقادمة لم يكن مجرد شخصية عسكرية أو سياسية فحسب، وإنما كان له من العلم نصيب كبير، فكان في العقيدة عالمًا، وفي التفسير كان مجتهدًا، وفي الحديث له نظرات، ومع الفقه وقفات، كما كان شاعرًا ومفكرًا، وصاحب نظرية في التربية، رغم أنه حاصل على بكالوريوس في طب الأسنان.
•ومن أبرز صفات الدكتور المقادمة أنه عرف بالتواضع الجم، فيروي الذين عايشوه داخل السجن جانبًا من تواضعه حين كان يعد الطعام، ثم يوقظهم لتناوله، بالرغم من انشغاله في إعداد الدروس والمحاضرات والدورات، وعكوفه على الدراسة.
•وكان يتحلى الشهيد المقادمة بالصبر الجميل، وهو الذي اشتد بلاؤه في محبسه بالسجون الإسرائيلية، بفقدان ولده الأكبر أحمد عام 1990، فلم تفت هذه المحنة من عضده، فحين أُبلغ بالنبأ الحزين واقتُرح أن يفتحوا بيتًا للعزاء داخل السجن، طلب تأجيل ذلك لحين إتمام درسه اليومي الذي عادة ما يلقيه بعد صلاة المغرب.
•وزهد الشهيد المقادمة في الدنيا مدركًا أنها رحلة قصيرة، حيث دائمًا ما كان يتبرع في معتقله بملابسه الجديدة، ويقوم بتوزيعها على زملائه.
•وكان بارًا بأمه، حيث تعلق بها بالرغم من كبر السن، وكثرة الأبناء، إلا أنه كان يبثها مع كل كلمة التذكير بالنبع الذي شرب منه هذا التفاني، والحث الخفي على الصبر والصمود، وتعاضد الآمال بمستقبل مشرق.
•وكانت حماسة الجهاد من أبرز سمات الشهيد، فكان متحمسًا لمواصلة الجهاد، مهما بلغت العقبات، فكان يرى ضرورة أن يعيش السياسي بروح الاستشهادي، حتى يكون قويًا اجتماعيًا فاعلاً.


اعتقاله


ويكشف الكتاب عن الدور البارز الذي قام به الدكتور المقادمة في تأسيس الجهاز العسكري لحركة حماس، والذي على أثره اعتقل مع الشيخ أحمد ياسين، فقضى في السجن 8 أعوام ونصف، كان فيها للدكتور المقادمة دور بارز في السجون الصهيونية، في إطار التربية والتنظيم لحركة حماس، حيث تشهد له الحركة الأسيرة داخل السجون تأسيسه لـ "جامعة يوسف" داخل السجون، والتي كانت تمنح أبناء حماس شهادة علمية في تخصصات متعددة، تجمع بين العلوم الشرعية والدراسات السياسية والتاريخية والفلسطينية والأمنية.
وبعد خروجه من السجون الإسرائيلية عام 1992، ازداد صلابة وثباتًا على المبدأ، مجددًا نشاطه بصورة أكثر عنفوانًا، محرضًا الناس على الجهاد، حتى اعتقل في سجون السلطة الفلسطينية عام 1996بتهمة تأسيس الجهاز السري لحركة حماس في غزة، وتعرض لتعذيب شديد للغاية، وكان ذلك الوقت مسايرًا لرياح اتفاقية أوسلو في المنطقة، فعمد الدكتور الشهيد إلى توضيح مخاطر تلك المرحلة، وما ستجلبه تلك الاتفاقية على الشعب الفلسطيني من خراب ودمار، حيث ألف كتابًا تناول فيه الاتفاقية بالتحليل، مما أدى لاعتقاله إداريًا لمدة 6 أشهر من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي، وكان الشهيد برغم ذلك يزداد حماسة لمواصلة الجهاد، فكان كثيرًا ما يردد: "لابد من الرد على تضحيات الجهاد بمزيد من الجهاد".


العطاء الفكري


ويصف الكاتب الدكتور المقادمة بأنه أحد مفكري جماعة الإخوان المسلمين وحركة حماس في فلسطين، حتى وصفه بأنه عالم، ولكن ظروف حياته الصعبة وقضبان السجن الطويل حالت دون طباعة الدراسات التي أعدها، والكتب التي ألفها، ومحاضراته التي كان يلقيها.
ويشير الكتاب إلى تاليف الدكتور المقادمة لعدة كتب بأسماء مستعارة لظروف السجن، ويعد كتابه "الصراع السكاني في فلسطين" من أشهر الكتب التي ألفها داخل سجن عسقلان عام 1990تحت اسم الدكتور محسن كريم.
واستعرض الكتاب بين جنبات صفحاته عدة مقالات للمفكر الشهيد الدكتور المقادمة، ومنها مقالة الحل الأمريكي الصهيوني أسوأ من الحرب، وأمريكا والوهم الكبير، ورسالة إلى علماء الإسلام، نعم من البحر إلى النهر، وحقائق من الجهاد، الضغط على المقاومة.
وكان شعر الدكتور المقادمة أحد نتاجه الفكري الثري، فعند التأمل في شعره يلمس المرء ثقافة أدبية، ورهافة حس، وإشارات إنسانية لها دلالاتها، وقد نشرت للدكتور المقادمة بعض القصائد في صحيفة (روزاليوسف) بالقاهرة، وعندما جاء أنيس منصور- الصحفي المصري- لزيارة غزة وزار الفصل الذي يدرس فيه إبراهيم المقادمة "الطفل النابغة"، وقف إبراهيم الصغير ليحاور الصحفي، وبعدما خرج من الفصل قال لمرافقيه: "لقد شعرت بنفسي صغيرًا أمام هذا الطفل!!".


الاستشهاد


ليلة استشهاد الشهيد المقادمة رأى رؤية حدث بها ابنه أبا بكر على مسمع من زوجته، حيث ناداه وقال له: "يا أبا بكر، إن رسول الله– صلى الله عليه وسلم- قد دعاني إلى مأدبة الغداء". ثم أوصاه بأمه وأهله، وكانت صبيحة الرؤيا، يوم السبت 5/1/1424هـ الموافق 8/3/2003، وفي تمام الساعة (8.10) ظهرت طائرتان من نوع أباتشي الصهيونية (أمريكية الصنع)، في سماء مدينة غزة، وحلقتا على علو منخفض، وأطلقتا ما لا يقل عن خمسة صواريخ باتجاه سيارة مدنية من نوع ميتسوبيشي بيضاء اللون كانت تسير في حي النصر شمال مدينة غزة، فأصابت ثلاثة صواريخ منها السيارة إصابة مباشرة، مما حول السيارة إلى كتلة من اللهب، جعلت كل من فيها أشلاء، واستشهد على إثرها ثلاثة شهداء، وكان رابعهم الشهيد الدكتور القائد إبراهيم المقادمة.
وخرجت مدينة غزة عن بكرة أبيها لتودع الشهيد الدكتور إبراهيم المقادمة والشهداء الثلاثة من أبناء حركة حماس، في مسيرة جماهيرية حاشدة شارك فيها أكثر من 200 ألف من أبناء فلسطين، يتقدمهم قيادات حماس بينهم الشيخ المجاهد أحمد ياسين، والدكتور عبد العزيز الرنتيسي، والأستاذ إسماعيل هنية، وسط صيحات التهليل والتكبير، ودعوات الثأر والانتقام.

الأربعاء، 11 فبراير 2009

الرجل الكتيبة "الشيخ القائد صلاح شحادة"



سنة النشر:2008

دار النشر :مركز الإعلام العربي-القاهرة

عدد الصفحات :72


يتناول الكتاب سيرة واحد من أهم الشخصيات القيادية في تجربة الجهاد الفلسطينية؛ فصلاح شحادة لم يكن بالرجل العادي الذي مر كعابر سبيل على حواف المشهد النضالي، لقد انغرس شحادة منذ البدايات في وضع اللبنات الأولى للعمل المسلح في فلسطين، وعمل على تطوير دولاب العمل الجهادي بشكل دءوب، وهذا ما جلب عليه حنق الاحتلال، الذي جعل صلاح شحادة يتصدر قائمة أهدافه، وبعد حياة حافلة بالعطاء والعناء من أجل فلسطين قضية وشعبًا رحل شحادة ظافرًا بالشهادة، ولم يجن قاتلوه من اغتياله سوى تسجيل جريمتهم في سجل مخازيهم، فجذوة الجهاد التي أشعلها شحادة ورفاق دربه صارت عصية على أن يخمدها أحد مهما بلغ جبروته.


بطاقة تعريفية


ولد صلاح الدين مصطفى علي شحادة في مخيم الشاطئ، يوم 24 شباط/فبراير 1952، وهو الأخ الأصغر لست بنات، ونزحت أسرته إلى قطاع غزة من مدينة "يافا" بعد أن احتلتها العصابات الصهيونية عام 1948م، وأقامت في مخيم الشاطئ للاجئين الفلسطينيين.
التحق بعد شهادة الثانوية بالمعهد العالي للخدمة الاجتماعية في الإسكندرية، وفي السنة الثالثة بدأ التزامه بالتوجه الإسلامي يأخذ طابعًا أوضح، بعدما انتظم مع جماعة الإخوان المسلمين، وبدأ الحياة الجهادية والعمل في الدعوة إلى الإسلام فور عودته من مصر إلى قطاع غزة.
تزوج في العام 1976 وهو أب لست بنات، ولدت الأخيرة أثناء اعتقاله، وعمل باحثًا اجتماعيًا في مدينة العريش في صحراء سيناء، وعين لاحقًا، مفتشًا للشئون الاجتماعية في العريش، وبعد أن استعادت مصر مدينة العريش من الصهاينة في العام عام 1979م، انتقل صلاح للإقامة في بيت حانون، واستلم في غزة منصب مفتش الشئون الاجتماعية لقطاع غزة.
صفاته ومناقبه
اتسمت شخصية صلاح شحادة بالجد وروح المسئولية والتوثب للجهاد منذ الصبا، حيث يروي الكاتب أنه كان يؤوي المطاردين منذ كان صبيًا لا يتجاوز 15 عامًا، وكان ممارسًا للرياضة، وقد حاز على الحزام البني في المصارعة اليابانية، والحزام الأسود في لعبة الجودو.
تميز شحادة بقوة البنيان، وكان يعلق على هذا الأمر بروح الدعابة فيقول: إنه يخشى من مصافحة الناس، مخافة أن يتسبب في كسر ذراع أحد.
مكث شحادة في السجون الإسرائيلية خلف القضبان 14 عامًا، ورغم قسوة تلك التجربة التي يعتبر البعض سنينها عديمة الجدوى، إلا أن شحادة كان يخطط ويستفيد من كل دقيقة في يومه، وكان يقول: "يوم في الزنازين كساعة خارجه"، ويقول عنه الدكتور الشهيد عبد العزيز الرنتيسي: "قضيت مع شحادة أحلى سنوات عمري داخل السجن عام 1988، ثم التقيته ثانية في عام 1995، وكان شحادة الخطيب في المعتقل، والمسئول عن تدريب الشبان في طابور الصباح..كان يمارس معهم رياضة قاسية، حتى أن إدارة السجن شكته عدة مرات، وادعت أنه يدربهم تدريبات عسكرية".
وقد أدار الشهيد القائد عام 1989 أحد العلميات العسكرية من داخل المعتقل، حيث استطاعت الخلية العسكرية التي يرأسها خطف جنديين وقتلهما، وإخفاء جثة أحدهما، وفي هذه المرة يحكي شحادة: "أشرف على تعذيبي إسحاق مردخاي، وأخذ يقول لي: "أنت رجل عسكري مثلي، مُرْ جنودك أن يسلموا جثة سعدون(أحد الجنديين القتلى)". فسألته: هل سلم المجاهدون سلاحه؟ وعندما رد عليّ بالإيجاب قلت له: من الخطأ أن يفعلوا، فطلقة رصاص واحدة أفضل عندنا من جندي منكم، لأننا بالطلقة سنقتل جنديًا آخر.
شهادة تاريخية
ويروي الكاتب على لسان الشهيد صلاح شحادة بداية تأسيس الجهاز الأمني لجماعة الإخوان المسلمين في فلسطين فيقول: "بدأنا تأسيس الجهاز الأمني عام 1980/1981، وبدأ الجهاز وكان عبارة عن مسدس وقنبلة، حتى أصبح قويًا، وتكونت مجموعة قوية وصلبة تنظم العمل العسكري داخل الجهاز، وكان في تلك المجموعة الشيخ أحمد ياسين ومجموعة من المجاهدين، كنت أنا آخر واحد في هذه المجموعة، والأخ إبراهيم المقادمة، ولم يعرف أحد من أفراد هذا الجهاز إلا في عام 1989، حيث كانت أول ضربة له، والتي عرف الناس على أثرها أن حركة حماس هي الوجه الآخر لجماعة الإخوان المسلمين، وأن لها جهازًا أمنيًا يعمل بدقة، لدرجة أن رجال المخابرات قالوا: كيف تخرجون فجأة إلى السطح وكأن لكم دولة".
ويقرر الكاتب أن حركة حماس أحدثت بقيادة الشيخ صلاح شحادة نقلة نوعية في مواجهة العدو الإسرائيلي، من خلال عمليات التفجير الاستشهادية داخل الكيان، وأحرزت العديد من الانتصارات على جهاز المخابرات الصهيوينة، برغم الصعوبات الجسام التي تواجه تلك العمليات التي كانت تنفذ في العمق الإسرائيلي، الأمر الذي يجعل مجرد تسلل مواطن فلسطيني أعزل إلى الكيان يعتبر نصرًا أمنيًا على أجهزة الأمن الصهيوني، فكيف إذا كان المتسلل يحمل متفجرات يصل بها إلى العمق الصهيوني في تل أبيب ونتانيا أو حيفا...إلخ، ثم يقوم بتنفيذ عملية في حافلة أو في سوق أو مستوطنة..إنها بلا شك انتصارات أمنية للقائد صلاح شحادة وأبطاله المنفذين ومن خلفهم، وإخفاقات أمنية لأجهزة الأمن الصهيوني، وكل ذلك بفضل الله، ثم المجاهدين الصادقين.
ويستعرض الكتاب لموقف من جملة المواقف التي تعرض لها القائد صلاح شحادة داخل السجون الإسرائيلية، والتي تعبر عن رؤيته للوجود اليهودي في فلسطين، حيث يقول الشيخ شحادة: من المواقف داخل السجن أنه كان هناك لقاء مع المخابرات الصهيونية، وقد سألوني ما هي نظرتي لهم؟ فأنا قلتها بصراحة: نظرتي لكم أنتم ضحايا مشروع غربي، مفروض علينا في الشرق الأوسط، وهو مشروع الحاجز البشري الغريب في المنطقة، بريطانيا عندما أعطتكم وطنًا على أرض فلسطين لم تكن في يوم من الأيام تحب اليهود أكثر من البريطانيين، أرادوا أن تكون بلاد الشرق الأوسط سوقًا للسلاح، وكذلك ألا تنهض فيها خلافة جديدة، فأنتم حاجز بشري، وضحايا مشروع غربي، فيجب أن تستيقظوا، ولا تدافعوا عن هذا المشروع بحجة الدفاع عن النفس، لماذا يعطونكم السلاح، ولماذا لا يموت أبناؤهم الغربيون؟ وأنتم الذين تموتون؟


الاستشهاد


يروي "إليكس فيشمان"- المحلل السياسي في جريدة يديعوت- عملية اغتيال القائد الشهيد فيقول: كان واضحًا للأوساط الاستخباراتية أن ثمة أحدًا ما من الخارج يدير شبكة العمليات الاستشهادية بصورة وثيقة، حيث إنه برغم الحضور المكثف للجيش في المناطق والعمليات المكثفة من الاعتقالات والإحاطات..تواصل خلايا حماس في الضفة الغربية الحفاظ على صلة دائمة مع أوساط داخل الخط الأخضر، توفر لهم معلومات عن أهداف ممكنة لعمليات استشهادية، ثمة شخص ما يطرح الأسئلة، وثمة شخص ما يتلقى الإجابات، وثمة شخص ما ينقلها إلى الميدان، ومن أجل تصفية الخلايا السرطانية التي ترفض الزوال يجب الوصول إلى الدماغ.
وكانت المفاجأة أن الدماغ يقيم في غزة، وفجأة في الأشهر الأخيرة أشارت المعلومات الاستخباراتية إلى هذه الظاهرة الجديدة: "صلاح شحادة"، الرجل الذي يعتبر رقم "1" لعز الدين القسام في قطاع غزة، وبدأ الجهاز الاستخباراتي يحكم الطوق على هذا الشخص.
1-مجلس الوزراء الصهيوني المصغر قرر (تصفية) شحادة، وشعبة الاستخبارات العسكرية وجهاز (الشاباك) يكثفان نشاطهما في جمع المعلومات الاستخباراتية.
2-مايك هيرتزوغ– السكرتير العسكري لوزير الدفاع الصهيوني "بنيامين بن اليعيزر"- ينقل معلومات نُقلت إليه من عملاء للعدو عن تواجد شحادة وزوجته ومرافقيه في أحد المنازل الجديدة في قطاع غزة، ثم يصادق على عملية الاغتيال، ثم يعرض الجنرال "موشيه فركش" على شارون صورًا جوية للمنزل، بعد المصادقة السياسية، يأمر رئيس أركان الجيش الصهيوني "موشيه يعلون" طائرة حربية من طراز(أف 16) بالإغارة على المكان.
فكان الاغتيال ظهر يوم الاثنين 22/7/2007، حيث أعلن الميجور جنرال "دان هالوتز"، أن الصهاينة ألقوا قنبلة بلغت طنًا على المنزل الذي كان يقطنه الشهيد صلاح، فاستشهد هو وزوجته وثلاث من بناته، في مجزرة أشرف عليها رئيس وزراء الكيان الصهيوني شخصيًا، ليكون بحق "رجل تحاربه دولة".

الدبلوماسي الوقور الشهيد "إسماعيل أبو شنب "




قليلة هي الشخصيات التي استحوذت على رضا الشعب الفلسطيني بكل فئاته وشرائحه، فالتنافس السياسي والاحتقان التنظيمي كثيرًا ما يشكل حاجزًا نفسيًا يحول دون تقدير الرجال بعيدًا عن الأهواء، وإسماعيل أبو شنب "أبو حسن" من هذا الصنف النادر الذي استولى حبه، والقناعة بصدقه على عموم أبناء الشعب الفلسطيني وفصائله.


كان أبوشنب توافقيًا إلى أقصى الحدود، وكان يغلب توحيد الكلمة على كل ما عداه، ولقد كانت مناسبة استشهاده هي الأخرى توافقية بامتياز، ففي ذلك الظرف كانت العلاقة بين حماس والسلطة الفلسطينة على وشك الانفجار في قطاع غزة، وجاء استشهاد أبوشنب لينزع فتيل الصراع.


ومن الكلمات التي يتذكرها الكثيرون في هذه المناسبة قول أحد قادة الفصائل الفلسطينية عن أبوشنب: إنه كان قائدًا وحدويًا في حياته وحتى في مماته.


الميلاد والنشأة:


ولد إسماعيل حسن محمد أبو شنب "أبو حسن" في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، في 28/3/1950، لعائلة طردت من قرية "الجية" قضاء المجدل داخل أراضي 1948، وسكن في ذلك المخيم حتى بلغ سن الرابعة عشرة، وبعد وفاة والده انتقل إلى مخيم الشاطئ قرب غزة، وترعرع وعاش في أزقته وشوارعه، ونشأ في أسرة متدينة مكونة من شقيق واحد وثلاث شقيقات، وكان والده يحفظ القرآن كاملاً، وشجعه على حفظ القرآن متمًا حفظ نصف القرآن في السادسة عشرة من عمره، وذلك إلى جانب ما أرسته والدته في نفسه من معانٍ رفيعة.


التعليـم


درس أبو شنب الثانوية العامة ثلاث مرات: الأولى في بيرزيت عام 1966، والثانية في غزة 1967، ثم التحق بكلية الزراعة بجامعة الزقازيق في مصر، إلا أنها لم تُرض طموحه، فقرر إعادة الشهادة الثانوية للمرة الثالثة في مصر عام 1968، حيث التحق بكلية الهندسة جامعة المنصورة، وحصل على درجة البكالوريوس في الهندسة المدنية بدرجة امتياز مع مرتبة الشرف الأولى عام 1977، وبعد تخرجه عمل في بلدية غزة بقسم الهندسة، ثم عمل معيدًا لعدة سنوات في كلية الهندسة جامعة النجاح الفلسطينية في نابلس قبل أن يسافر إلى الولايات المتحدة في بعثة حصل خلالها على درجة الماجستير في الهندسة المدنية من جامعة كلورادوا عام 1982، ثم عين قائمًا بأعمال رئيس قسم الهندسة المدنية عام 1983-1984، حتى أغلق الاحتلال جامعة النجاح، ثم عين محاضرًا في كلية الهندسة بالجامعة الإسلامية بغزة، وعميدًا لكلية المجتمع والتعليم المستمر بالجامعة، ورئيسًا لكلية العلوم التطبيقية، وعمل حتى استشهاده مديرًا لمركز أبحاث المستقبل في غزة.


تكوين شخصيته الإسلامية


تأثر أبو شنب بالشيخ أحمد ياسين- مؤسس حركة حماس- منذ كان صغيرًا، فأصبح ملازمًا له، حيث كان يسكن في نفس مخيم الشاطئ الذي يقطن فيه الشيخ ياسين آنذاك، حيث كان يتسم الشيخ ياسين برغم إعاقته بأنه ذو تأثير واضح في الحياة الاجتماعية والثقافية للمخيم، وفي نهاية الستينيات تعرف على العمل الإسلامي من خلال الشيخ ياسين.


كما كان لعدد من الشخصيات الإسلامية أمثال الدكتور موسى أبو مرزوق- نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس في دمشق- والشهيد فتحي الشقاقي- مؤسس حركة الجهاد الإسلامي- دور في تكوين شخصية أبي شنب الإسلامية، كما أتاحت له رحلة الدراسة في مصر الالتقاء بقادة الإخوان المسلمين مثل: الشهيد د. إبراهيم المقادمة- "القيادي في حماس"-وغيره من قادة الإخوان المسلمين، حيث تأثر بفكرهم الدعوي، وعندما عاد من الولايات المتحدة ظهرت شخصية الشهيد إسماعيل أبو شنب كقائد إسلامي في صفوف حركة حماس.


جهاده


ويقدم الكتاب للدور المميز الذي قام به "أبو شنب" خلال الانتفاضة، حيث كان له دور هام في قيادتها منذ الشرارة الأولى لإشعالها، حيث كلفه الشيخ أحمد ياسين منذ اليوم الأول لاندلاعها بمسئولية قطاع غزة في تفعيل أحداث الانتفاضة، وكان نائبًا للشيخ ياسين، حيث عمل منذ اليوم الأول في الانتفاضة على متابعة كل الأحداث التي تقوم بها حماس، وعمل على تقويتها من خلال العمل على تطوير أساليبها، وتنظيم الأجهزة المتعددة وترتيب حركتها.


وحين تم اعتقله الاحتلال في 30/5/1989 حتى الإفراج عنه في 2/4/1997، لم يتوقف أبو شنب عن العمل، فمنذ اللحظة الأول من اعتقاله انتقل لمرحلة جديدة من العمل الجهادي مهيئًا نفسه لتلك المرحلة، مدركًا صعوبة البداية، حيث أخضع لتحقيق قاس لمدة ثلاثة شهور من قبل المخابرات الصهيونية في سجن الرملة، وبعد هذه الفترة من التعذيب نقل إلى زنازين العزل لمدة 17 شهرًا لم ير خلالها النور، وبعد انقضاء فترة العزل عام 1990 أصبح ممثلاً للمعتقلين في الرملة، ثم انتقل إلى سجن عسقلان، حيث أمضى بعد ذلك باقي مدة محكوميته البالغة ثماني سنوات، وقاد خلال هذه الفترة الحركة الأسيرة بصورة رائعة، بشكل لم تشهد الحركة قائدًا مثيله، حيث خاض هو وإخوانه المعتقلون إضرابين كان لهما أثر بالغ على تحسين حياتهم داخل السجن، وذلك في عام 1992وعام 1995.


واضطلع أبو شنب بعد الإفراج عنه عام 1997 بدور مهم كقائد سياسي في حركة حماس، حيث كان يمثلها في الكثير من اللقاءات مع السلطة والفصائل الفلسطينية، وكان يعرف بآرائه المعتدلة في فترة شهدت فيها علاقة حماس مع السلطة الفلسطينية توترًا شديدًا؛ بسبب اعتقال عدد كبير من قيادات حماس في سجون السلطة الفلسطينية.


صفاته ومناقبه


كان المهندس يوصف بأنه صاحب فكر سياسي، وقدرة كبيرة على الإقناع، حتى إنه أضحى يعرف بأنه صاحب الشخصية المرنة المغناطيسية المحورية، كما أنه في ذات الوقت محاور لا يشق له غبار، خاصة مع وسائل الإعلام الدولية، وحتى الصهيونية، فضلاً عن كونه صاحب قيم وأخلاق ومبادئ في العلاقات الرسمية والإنسانية مع الآخرين، فكان لا يدخر جهدًا لمد جسور الثقة والتعاون والمحبة والاحترام بين الفرقاء، وكان دائمًا ما يغلب الحس العام على الحس الحزبي الخاص، فهو رجل الوحدة الفلسطينية الحقيقي، يمعن النظر والفكر في قراءة الواقع وتطوراته الوطنية والسياسية، ويجيد استخلاص العبر، ويتقن صياغة الدروس والجمل المفيدة، ولا يسمح للمزايدات والمغالاة بالتسرب بين السطور، فدائمًا ما حقن الدم الفلسطيني، ومنع الفتنة، وأوصد الأبواب أمام الاقتتال والصدام الداخلي.


أفكاره ومبادؤه


ويستعرض الكتاب موقف الشهيد أبي شنب من اتفاق أوسلو ونتائجه، حيث أورد كلمات للشهيد قال فيها: "هذا الاتفاق يحمل بذور فنائه، فلن يصمد أمام الاستحقاقات الحقيقية لتطلعات الشعب الفلسطيني، التي أوهم البعض من أبناء الشعب الفلسطيني نفسه في أنه سيحققها.. وعندما اصطدم الجميع في التفاوض على القضايا النهائية وجدوا أن الموقف الصهيوني بعيد تمامًا عما يقصده، أو يريده الفلسطينيون، وعندما فجر شعبنا الانتفاضة، فكانت هي الرد الفلسطيني العملي على التعنت الصهيوني في تطبيق الاتفاق".


كما يعرض الكتاب لوجهة نظر الشهيد أبي شنب في وجود السلطة الفلسطينية الناتج عن اتفاق أوسلو، بأن وجود السلطة لم يخدم القضية التحررية، بل جعل العالم العربي كله ينفض يده من القضية الفلسطينية، ويقول بأن هناك سلطة فلسطينية فتـتحمل مسئوليتها، كما أن وجود السلطة أعفى الاحتلال من مسئولياته جهة المدنيين الفلسطينيين، فأصبحت السلطة تحمل أعباء الوضع الفلسطيني الداخلي بكل إشكالياته، وتريح الاحتلال من هذه الاشكاليات، لذلك فإن السلطة رغم أنها نتاج أوسلو، إلا أنها لا تشكل إيجابية مطلقة من وجهة نظر البعض في داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة.


وحول الآثار والأبعاد التي خلفها اتفاق أوسلو، يقول أبو شنب: "اتفاق أوسلو أخّر القضية الفلسطينية عشر سنوات، وأوقف مد المقاومة المتصاعد، وساعد في انفضاض الأنظمة العربية عن التزاماتها تجاه القضية الفلسطينية، وأيضًا عزل القضية الفلسطينية عن بعدها العربي بشكل أو بآخر، كما أن التفاوض الفلسطيني انخفض سقفه عن التطلعات الفلسطينية في عودة اللاجئين، وفي تحرير كامل التراب الفلسطيني، وتراجع إلى أن أصبح سقفًا مقصودًا به تحرير الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967م، كما تم إلغاء الميثاق الفلسطيني من أجل إقناع الشارع الصهيوني بعدول منظمة التحرير الفلسطينية عن الإرهاب، وهذه عيوب كبيرة وسلبيات وقعنا فيها خلال العشر سنوات الماضية تراجعت فيها قضيتنا الفلسطينية إلى هذا المستوى الذي وصلنا إليه".


الاستشهاد


قصفت المروحيات الصهيونية حوالي الساعة الواحد والربع من ظهر يوم الخميس 21/8/2003م سيارة الشهيد بخمسة صواريخ، أمام المقر الرئيسي لوكالة الغوث الدولية للاجئين في شارع محافظة غزة، في حي الصبرة جنوب مدينة غزة، وقد خرج أكثر من 150 ألف فلسطيني من جميع طوائف الشعب الفلسطيني بعد ظهر يوم الجمعة 22/8/2003م لتشييع جثامين الشهداء الأبطال الذين ارتقوا في القصف الصهيوني، وألقى ذوو الشهداء نظرة الوداع الدنيوي على جثامين بارود وأبي العمرين، ولم يتمكن ذوو القائد أبي شنب من وداعه بسبب احتراق وتشوه معالم جثته من شدة القصف، وكان في مقدمة مسيرة التشييع الشيخ الشهيد أحمد ياسين، والدكتور الشهيد عبد العزيز الرنتيسي.

-------------

سنة النشر:2008
دار النشر :مركز الإعلام العربي
عدد الصفحات :64

-----------

نقلا عن موقع القدس أون لاين